هناك ما يدعو وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى التأمل في القول المأثور القديم: «يمكنك أن تصطحب الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إرغامه على الشرب».
واعتزامه التركيز على محادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ورحلاته المتكررة إلى الشرق الأوسط، والأشهر العديدة من العمل الشاق لم تنته بفرقعة مدوية، بل بتذمر خافت، أو كما عبر عن ذلك كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي بـ «التطاير السريع».
واللحظة التي أدت إلى «التطاير السريع» تمثلت بإعلان إسرائيل إعطائها تصاريح ببناء 700 وحدة سكنية جديدة للمستوطنين في القدس الشرقية، في خطوة استفزازية بشكل واضح، نظراً لمطالبة الفلسطينيين بوقف النشاطات الاستيطانية، أو على الأقل تجميدها، وإصرارهم على أن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية.
وسبق هذا الأمر الفشل في حفاظ إسرائيل على وعدها بإطلاق سراح الدفعة الرابعة من السجناء الفلسطينيين. وقد رد الفلسطينيون باستخدام ميزة دبلوماسية،ضمن المزايا المحدودة، التي بحوزتهم: قدموا بعض طلبات العضوية مع احتمال نجاحهم في الانضمام إلى مزيد من الهيئات الدولية، ومن ضمنها محكمة الجنايات.
لنتذكر أن جهود كيري الأحدث لم تنحصر بحماية عملية السلام، في لحظة اختراق حاسمة في المفاوضات، لكن مجرد إطالة للمحادثات، التي كانت تفقد حيويتها، غير أن هذا الهدف المحدود برهن حتى على صعوبة تحقيقه على الرغم من استمرار بعض الاتصالات.
وحاول كيري إقناع الفلسطينيين بالقبول بشريط أمني إسرائيلي على طول نهر الأردن، مع الموافقة بشكل رسمي على أن إسرائيل دولة يهودية. بالنسبة للفلسطينيين، كان المطلب الأول صعباً جداً لا سيما في ظل غياب التنازلات بشأن الحدود والمستوطنات والقدس.
أما المطلب الثاني، فقد وجده الفلسطينيون مهيناً، لأن اعتراف الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بإسرائيل، منذ فترة طويلة كان يعني ضمناً القبول بمثل هذا، فلماذا التعبير عنه بوضوح،وإلزام عامة الناس بالتخلي عن الآمال بعودة اللاجئين، حتى ولو نظرياً؟
ولا بد من الاشتباه بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو شدد على قضية الاعتراف على وجه التحديد، لأنه كان يدرك أنه سيكون غير مقبول من الفلسطينيين، فيما تبدو هذه القضية معقولة بالنسبة للعديد من اليهود في الخارج، لاسيما في الولايات المتحدة. وبذلك، تكون إسرائيل قد تفادت اللوم، سواء على مواصلتها النشاط الاستيطاني، أو على فشل مبادرة كيري. عمل حاذق وماهر، لكنه يفتقر إلى الذكاء.
