كانت طائرات هليكوبتر عسكرية عراقية تحلق فوق بغداد أخيراً، وهي تسقط منشورات، لكن على النقيض من تلك المنشورات التي أسقطت من المروحيات الأميركية في بداية الغزو منذ 11 عاماً من أجل حض الجنود العراقيين على عدم المقاومة، فإن الهدف منها هذه المرة كان إقناع المواطنين بالتصويت في الانتخابات الوطنية المزمع إجراؤها في 30 أبريل المقبل.
والتوقعات تشير إلى بقاء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في منصبه الذي يشغله منذ عام 2006، على الرغم من الصعوبات التي تنتظره في تشكيل حكومة ائتلافية أخرى، في ظل ما يشهده الائتلاف الحالي من اقتتال داخلي مرير.
لكن مع تصاعد العنف إلى أسوأ مستوياته منذ حلول الفتنة الطائفية في البلاد عامي 2007 و2008، فإن العراقيين اليوم أكثر انشغالاً بالبقاء على قيد الحياة من ممارسة حقوقهم الديمقراطية، كما أنه في بعض أجزاء في البلاد، سيحول العنف بالتأكيد دون تصويت الناس، حتى لو أرادوا ذلك.
أوضاع صعبة
أما المنطقة الأكثر بؤساً وتضرراً فهي محافظة الأنبار الشاسعة غرب بغداد المتاخمة للحدود السورية والأردنية. والعنف هناك اشتد في ديسمبر الماضي، عندما أرسل المالكي قوات خاصة لتفكيك مخيم للاحتجاج في عاصمة المحافظة، الرمادي.
وهذا أدى إلى قتال شامل بين قوات الأمن العراقية والسكان المحليين الموالين في معظمهم لزعماء العشائر، والمتحالف بعضهم مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المرتبط بتنظيم القاعدة. وبعد الإخفاق في تلبية المطالب المحلية بإجراء إصلاحات سياسية وقضائية وتقديم خدمات أفضل في محافظة الأنبار، فإن المالكي وحكومته صورا المحتجين على أنهم تكتل سياسي لتنظيم القاعدة.
وقبل بضعة أسابيع، استعادت قوات الأمن العراقية معظم الرمادي، لكنها لم تتمكن حتى الآن من طرد المقاتلين من المدينة الثانية في محافظة الأنبار، الفلوجة، التي طالما كانت مرتعاً للمعارضة المتشددة، وموقعاً للمعركة الأشرس التي خاضها الأميركيون في العراق منذ عشر سنوات.
وقد اضطر 300 ألف مدني للفرار من ديارهم، في أكبر نزوح يعانى منه العراقيون منذ اشتداد سعير العنف الطائفي في عام 2007. كثيرون الآن يعيشون في ظروف مزرية في مساكن مؤقتة شمال بغداد. ولقد وعدت الحكومة العراقية بتقديم المساعدات، لكنها فشلت حتى الآن في توفيرها.
والأمر المؤكد هو أن المكونات المتصدعة للدولة العراقية تنظر في تجاهل أوامر الحكومة المركزية على نحو متزايد، والبعض منها يسعى إلى الحكم الذاتي، إذا لم يكن الانفصال، ومحافظة نينوى الغنية بالنفط وعاصمتها الموصل هي مجرد واحدة من تلك الحالات.
التوتر الشديد
والتوتر شديد بين المالكي وحكومة الإقليم الكردي المتمتع بحكم ذاتي أكثر من أي وقت مضى. فقد اندلع خلاف أخيراً على خلفية قرار المالكي حجب مدفوعات الموازنة الاتحادية، لمعاقبة الأكراد على عقدهم صفقات منفصلة مع شركات نفط أجنبية لتصدير النفط عبر تركيا.
وفيما تتصارع الأحزاب الكردية الرئيسية الثلاثة بحدة من أجل تشكيل حكومة إقليمية بعد ستة أشهر تقريباً من انتخابات مجالس المحافظات، تبقى متحدة بخوف مشترك من تهديد لها ولحكمها الذاتي قد تشكله مجدداً حكومة عراقية قوية.
يقول رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق بقيادة مسعود بارزاني: «هذه الانتخابات ليست حول الميزانية، بل حول الثقافة وراء خفض الميزانية. والانتخابات المقبلة إما ستنقذ العراق وإما ستدفع به نحو التفكك». وعلى الرغم من العنف والفوضى، فإن البلاد تسير إلى الأمام وهي تترنح. فبغداد الآن خليط من مواقع بناء، بالقرب من مبان قصفت عام 2003 ولم يجر إصلاحها.
الثمن الباهظ
لاحظ صندوق النقد الدولي أن ميزانية العراق السنة الماضية تراجعت إلى عجز، مضيفاً أن البلاد تبالغ في تقدير العائدات النفطية بنسبة 10%، وهذه تقدر أصلاً بأكثر من 90% من إجمالي إيرادات البلاد. وأخيراً، فإن ميزانية جديدة مقترحة تهدف إلى جمع 150 مليار دولار عام 2014 واجهت مشكلات من قبل الكتل النيابية المختلفة.
أما الأميركيون المشاركون في محاولة تجديد العراق، فيقفون حائرين. يقول زلماي خليل زاده سفير أميركا في العراق عام 2005، عندما تم الدفع بدستور جديد: «حاولنا منحهم فرصة بناء عراق جديد»، مضيفاً: «كانت لدينا توقعات عالية وكنا في عجلة من أمرنا حتى ننجز الأمور بأسرع وقت ممكن. ولم نرتق إلى المستوى إلى حد كبير، ودفعنا ثمناً باهظاً». والعراقيون، مجازاً وحرفياً، لا زالوا يدفعون ثمن ذلك.
