استيقظت أوروبا الشرقية فجأة من حلم جميل عن نهاية التاريخ، وأعلن المنشق البولندي المناهض للشيوعية آدم متشنك، أن عام 2014 يمثل نهاية لأفضل فترة عاشتها بولندا في تاريخها على مدى القرون الثلاثة الماضية.

فأوروبا الشرقية تدخل الآن فترة يلفها الغموض، وداخل المنطقة لم يجر تشكيل تحالفات وثيقة في أعقاب عام 1989، بل علق كل بلد آماله على الانضمام لحلف شمال الأطلسي "ناتو" والاتحاد الأوروبي. والآن، في مواجهة عجز الغرب أمام روسيا بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن بلدان أوروبا الشرقية بحاجة فجأة إلى التفكير في سياستها الخارجية، ولا توجد بلاد تمعن التفكير بهذا الموضوع أكثر من بولندا.

والمشكلة الرئيسة بالنسبة لأوروبا الشرقية لا تنبع من عدوان بوتين، بقدر ما تنبع من الخلاف في الرد عليها داخل المنطقة. ولا يمكن لأوروبا الشرقية الاعتماد على حلفائها الغربيين، فمصنعو الأسلحة في أوروبا، وفي مقدمهم الشركات الألمانية والفرنسية، يسلحون الجيش الروسي، فيما تدفع روسيا لأوروبا من المال الذي تجنيه من توريد الغاز، ومن جعل أوروبا معتمدة على روسيا في مجال الطاقة.

وعلى عكس الغرب، تعطي روسيا قيمة للتوسع الجيوسياسي، وليس للظروف الاقتصادية. ولا تدعو للارتياح حقيقة أن الأوكرانيين كانوا على استعداد للموت في سبيل دخولهم الاتحاد الأوروبي الذي يبدو الآن غير مستعد لتحمل التكاليف الاقتصادية لمواجهة مع روسيا من أجل حمايتهم.

انقسامات كبيرة

وفي ظل هذا الوضع المحفوف بالخطر، كان من الطبيعي السعي وراء الحلفاء الذين يجدون أنفسهم في موقع مماثل. لكن للأسف، أوروبا الشرقية هي أكثر انقساماً بمصالحها الاقتصادية من الاتحاد الأوروبي ككل.

فهنغاريا وسلوفاكيا وبلغاريا تعتمد على الطاقة الآتية من روسيا أكثر من أي بلد آخر في الاتحاد الأوروبي، فيما يرفع التشيكيون من مكانة "عزلتهم الرائعة" في أحضان ألمانيا والنمسا. وبولندا لديها مصالح مشتركة مع دول البلطيق فقط. ورومانيا، ثاني أكبر بلد في "أوروبا الجديدة" بعد بولندا، تفتقر إلى العلاقات القوية مع أي من هذه البلدان.

وهذا يفسر لماذا بولندا تكن مثل هذا الحب لأوكرانيا، فشعار حملة حزب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك تحضيراً لانتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل هو: "بولندا قوية في إطار أوروبا آمنة".

وتمثل أوكرانيا المفتاح للقوة والأمن. وكما قال تاسك إلى زعيم الاحتجاج في أوكرانيا، فيتالي كليتشكو، الذي حل ضيفاً خاصاً على مؤتمر حزب رئيس الوزراء البولندي: "كل من يريد بولندا آمنة في إطار أوروبا موحدة، عليه أن يتمنى الحظ السعيد لأوكرانيا".

وتكتب الصحافة الأجنبية كثيراً عن بولندا التي عززت موقعها الدولي وفي الاتحاد الأوروبي، بفضل تدخلها في أوكرانيا، بالمقارنة مع باقي دول الاتحاد. ومع ذلك، يعتمد أمن بولندا على قوة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي، تبدو بولندا مهددة أكثر من أي فترة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي.

لكن هناك أيضاً مكاسب ممكنة بما يتجاوز أي فترة من تاريخنا المعاصر. إذا بقيت أوكرانيا في شكلها الحالي (حتى من دون القرم)، ودخلت في مساراً مماثلاً لذلك الذي سارت عليه بولندا، فإن الإمكانات البشرية والاقتصادية للبلدين، بتعزيز من تحالفات داخل الاتحاد الأوروبي لهذا الغرض، سيسمح بتحقيق الحلم التاريخي لبولندا في موازنة دور روسيا في المنطقة، وضمان موقع كبير لأوروبا الشرقية داخل الغرب.

اليوم، رغم ذلك، يبدو هذا السناريو بعيد الاحتمال.