عاد 148 ألف طفل من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان إلى المدرسة أخيرا، وهذا بفضل مبادرة مبتكرة غيرت بشكل جذري الطريقة التي نفكر فيها بتوفير التقديمات للأطفال في وسط النزاعات.

بعد أن حرموا من التعليم مع دخول الحرب عامها الرابع، فإن 88 ألفا من هؤلاء الأطفال يستفيدون حالياً من تجربة فريدة من نوعها في تقاسم الوقت، حيث يتقاسم الأطفال اللبنانيون المحليون الذين يدرسون في الصباح مدارسهم مع اللاجئين السورين، للسماح لهم بالتعلم في نوبة فترة ما بعد الظهر. ويحضر أيضا بعض اللاجئين السوريين المدرسة الصباحية، ونظام التناوب هذا يسمح لمزيد من الأطفال بالحصول على تعليم.

وفي منطقة نموذجية واحدة في أكروم بأقصى شمال شرقي لبنان عند الحدود السورية، توفر جمعية خيرية من إسكتلندا أموالا لمتطوعين سوريين وأساتذة لبنانيين للعمل معا. وخلال الأسابيع الماضية، فإن فكرة كانت مجرد مفهوم ناقشتها الجمعيات الدولية وحولتها إلى واقع ملموس. والمشروع انطلق بفضل المساعدات التي تقدمها 10 من البلدان المانحة، الأمر الذي سمح لمنظمتي "اليونيسف" والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالعمل في شراكة مع الحكومة اللبنانية.

وأخيرا في نيويورك، كان بمقدوري أن انقل إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن فكرة التعليم بلا حدود تتجسد على أرض الواقع في احدى المناطق الأكثر خطورة في العالم، وهذا بفضل الجهود التي تبذلها المنظمات التطوعية للأمم المتحدة ووكالات الإعانة التي تعهدت الآن بتقديم 100 مليون دولار في سبيل نجاح المبادرة.

نموذج تعليمي

والتعليم الذي تلقاه بان كي مون نفسه هو شهادة على ما يمكن تحقيقه عندما تكون المنظمات الدولية عازمة على توفير التعليم في وسط الصراع. فقد تلقى الأمين العام للام المتحدة تعليمه في ظل شجرة خلال الحرب الأهلية بين كوريا الشمالية والجنوبية في فترة الخمسينات من القرن الماضي. ولقد استفاد من خطة فريدة جرى بموجبها تأمين مساعدات من قبل منظمتي "اليونيسكو" واليونيسف" للأطفال اللاجئين في الحرب المدمرة في تلك البلاد.

وقال لي أن الكتب التي كان يدرس فيها، وذلك بفضل منظمة "اليونيسكو"، كان مطبوعاً على غلافها الخلفي رسالة من الأمم المتحدة تقول: "اعمل بجد تسد دينك إلى الأمم المتحدة". وهذا ما قام به بان كي مون مرات عدة، فيما كان يترقى ليصبح الأمين العام الأول للأمم المتحدة الذي نشأ في خضم حرب أهلية.

لكن بعد مرور 60 عاما، لا زال يتعين علينا ترسيخ المبدأ القائل أنه حتى في خضم الصراع، لا بد من توفير ليس فقط الطعام والمأوى، بل أيضا التعليم. ويبقى علينا أيضا إقناع الجهات المانحة للمساعدات بأن الشيء الذي يمكن أن يؤمنه التعليم يتمثل في عنصر الأمل الحيوي. اليوم، فإن أكثر من 20 مليون طفل من أصل 57 مليون طفل من الذين لا يرتادون المدارس محرومون من التعليم لأنهم ضحايا الحرب. ولبنان يمكن أن يصبح الدولة التي نحقق فيها على صعيد التعليم عام 2014 ما حققناه على صعيد الصحة لضحايا الحروب منذ قرن من الزمن. يمكننا تقديم التعليم إلى كل طفل من الأطفال اللاجئين والمعرضين للخطر، والبالغ عددهم 435 ألف طفل.

 

الدعم المستمر

توفير التعليم خارج الحدود ليس مجرد مفهوم، بل أنه يتحقق في أصعب مناطق النزاع، لكن سيتطلب الأمر مطالبة من الرأي العام في سبيل إقناع الحكومات بالقيام بما هو مطلوب للحفاظ على الدعم خلال السنوات المقبلة. ويجب أن نتأكد من أن حق كل طفل في الذهاب إلى المدرسة، في الحرب كما في السلم، يمكن أن يصبح أمرا وقعا.