فيما كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يتوجه مسرعاً إلى إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، فقد طمأن تلك البلدان الثلاثة بأن التزام الولايات المتحدة بالبند الخامس من معاهدة حلف شمالي الأطلسي "ناتو" يبقى التزاما "جديا" و"أكيدا". وهذا البند الخامس يلزم الولايات المتحدة بدخول الحرب إذا انتهكت روسيا أراضي أي من دول البلطيق الصغيرة تلك.

منذ الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة، كانت هذه البلدان الثلاثة جمهوريات سوفيتية، على الجانب الأخر من خط يالطا الذي اتفق عليه بحضور الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، كما على الجانب الأخر من الخط الأحمر لحلف شمالي الأطلسي "ناتو"، وهو نهر الألب في ألمانيا. ولم يكن بمستطاع أي رئيس أميركي أن يحلم بشن حرب حولها مع روسيا. الآن، في إطار حلف "ناتو" الجديد، لا بد لنا أن نقوم بذلك. وكان جو بايدن يؤكد ضمانات متعلقة بالحرب كان من شأن الجنرال ايزنهاور أن يعتبرها ضربا من الجنون.

يقول وزير الخارجية الأميركي جون كيري إنه في أزمة أوكرانيا: "كل الخيارات مطروحة على الطاولة". ومن جهته، يرغب السناتور الأميركي جون ماكين، بنقل أوكرانيا إلى حلف شمالي الأطلسي "ناتو"، مما يضمن حربا مع الولايات المتحدة عند أي تحرك روسي في الشرق الأوكراني الذي سكانه سيحصلون على الجنسية الروسية.

وأربعون عضوا في الكونغرس كتبوا إلى جون كيري من أجل حضه على وضع جورجيا التي هزمت هزيمة ساحقة في الحرب التي بدأتها مع روسيا على جنوب أوسيتيا في عام 2008، على طريق العضوية في "ناتو". وبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، تدعو أصوات أخرى لتوسيع حلف "ناتو" بضم أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا، ونقل قوات أميركية وطائرات حربية إلى بولندا وجمهوريات البلطيق.

التزامات كثيرة

وفي الشرق الأقصى، أميركا ملتزمة بالدفاع عن اليابان، إذا استولت الصين على جزر سنكاكو، مجموعة من الصخور في بحر الصين الشرقي. وإذا بدأ الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ- أون بحرب في كوريا الجنوبية، فإننا ملتزمون بموجب المعاهدة بخوض حرب كورية ثانية. ونحن ملتزمون بالدفاع عن الفلبين بموجب المعاهدة بيننا. فإذا سعت الصين وراء مطالبتها بالجزر الجنوبية في بحر الصين الجنوبي، وشنت صراعا مسلحا مع البحرية في مانيلا، فإنه من المرجح أن نكون في هذه الحرب.

أليست هذه التزامات كثيرة في طبق العم سام؟

وهل أميركا مستعدة فعلا لخوض كل تلك الحروب التي نحن كأميركيين ملزمون بخوضها بموجب المعاهدات؟

والنفور الوطني من الهجوم على سوريا لعبورها "الخط الأحمر" الذي وضعه أوباما في الصيف الماضي على استخدام الغاز السام، يشير إلى وجود بون شاسع بين ما التزمت أميركا بالقيام به بموجب المعاهدات، واستعدادات الشعب الأميركي لجهة إرساله أبناء جنوده إلى حرب جديدة.

في الواقع، الشعار الأخير لصقور الحرب في أميركا "لا جنود على الأرض" قصد به طمأنة الأمة إلى أنه في حروبنا المقبلة، على عكس أفغانستان والعراق، لن يكون هناك بعد الآن مزيد من الطائرات المحملة بالموتى المقبلين إلى ميناء "دوفر"، وان لا يكون هناك جيل جديد من مشروع "المحاربين الجرحى" يصلون إلى "والتر ريد".

تصالح مع الوقائع

وقريبا، لا بد أن تصل الولايات المتحدة إلى تصالح مع هذه الوقائع المتمثلة بعدم رغبة الشعب الأميركي في خوض الحروب التي ألزمتهم الحكومة الأميركية بالانخراط فيها. ومع ذلك، فإن المشكلة المباشرة تكمن في كيفية تفادي مواجهة عسكرية أو صدام، لا يرغب أي أميركي بها تقريبا، مع روسيا بقيادة فلاديمير بوتين حول شبه جزيرة القرم. وعلى ما يبدو، الغرب قرر أن يبدأ السير على طريق العقوبات.

لكن إلى أين يؤدي هذا الطريق؟

قد تشل العقوبات الاقتصاد الروسي، لكن هل ستكسر بوتين؟ هل كسرت الزعيم الكوبي فيديل كاسترو؟ أو الزعيمين الكوريين الشماليين كيم إيل سونع أو كيم يونغ-إيل؟ هل يبدو بوتين أنه من النوع الذي يستسلم في وجه التضييق الاقتصادي؟

في هذا العصر من الاعتمادية الذي بذلت أميركا جهودا كبيرة من أجل إطلاقه، تشكل العقوبات سيفا ذا حدين. وبإمكان روسيا أن تقطع النفط والغاز عن أوروبا إذا قمنا بمعاقبتها بشدة، وأن تسبب ركودا في منطقة اليورو، وتتقرب أكثر من الصين.

 

طريق العقوبات

في هذا العصر من الاعتمادية الذي بذلت أميركا جهودا كبيرة في سبيل إطلاقه، تشكل العقوبات سيفا ذا حدين.

إذا قطعت أوكرانيا النفط والغاز والمياه والكهرباء عن شبه جزيرة القرم، التي تجف تجارة السياحة فيها، فإن هذا قد يحض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى غزو شرق أوكرانيا، والاستيلاء على الجسر البري الوحيد في شبه الجزيرة. وقد يحض روسيا إلى قطع وارداتها من أوكرانيا، وإيقاف النفط والغاز، والمطالبة بديون أوكرانيا، الأمر الذي من شأنه أن يعجل من تعثر أوكرانيا عن دفع الديون، في ظل عدم زيادة المساعدات الغربية عن مبلغ 35 مليار دولار التي يقدر أن كييف الآن ستحتاجها بحلول 2016. فهل الجمهوريون في مجلس الشعب على استعداد للتصويت على حصة أميركا من هذا المبلغ الهائل، وجعل أوكرانيا متلقيا للمساعدات الخارجية الأميركية بما يعادل ما تقدمه أميركا سنويا إلى إسرائيل ومصر تقريبا؟