تمثل رد الفعل الانفعالي لدى العديد من النقاد والأكاديميين والمسؤولين في إدارة أوباما على الضم الفعلي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشبه جزيرة القرم بعدم التصديق لما حصل إلى حد فقدان التوجه. وكما قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في وصفه لذلك: «سلوك من القرن التاسع عشر في القرن الواحد والعشرين». لكن «القرن التاسع عشر» كما يدعوه كيري حي، وسيظل هكذا دوماً، والأرض وما يصاحبها من روابط الدم تشكل محورين أساسيين في أصل البشر.

والجغرافيا لم تختف من الوجود، وما نشهده حاليا هو انتقام الجغرافيا: في صراع الشرق الغرب للسيطرة على دولة أوكرانيا التي تمثل الحاجز الفاصل، وفي تصدع دول الشرق الأوسط المصطنعة في مرحلة ما بعد الربيع العربي وتحولها إلى إقطاعيات عرقية وطائفية، وفي سباق التسلح غير المسبوق الذي يجري في دول شرق آسيا التي تتنازع على المياه الغنية بالموارد.

وبينما توصل الغرب إلى التفكير بالعلاقات الدولية وفقا لقوانين واتفاقات متعددة الأطراف، فإن باقي العالم لا يزال يفكر بلغة الجغرافيا، أي وفقاً لصحارى وسلاسل جبلية وموانئ تعمل في جميع الأحوال الجوية ومساحات من الأراضي والمياه. والعالم عاد إلى خرائط المدرسة الابتدائية كنقطة انطلاق لفهم التاريخ والثقافة والديانة والعرقية، ناهيك عن صراع القوى على طرق التجارة والموارد الطبيعية.

حقيقة وحيدة

وحقبة ما بعد الحرب الباردة كان من المفترض أن تكون حول الاقتصاد والاعتمادية المتبادلة والقيم العالمية، وأن تعلو فوق الغرائز القومية والهوس القومي بالهيمنة على الفضاء الجغرافي، لكن تحركات بوتين أظهرت حقيقة وحيدة دون أن يتعمد ذلك، وهي: العلاقات الدولية لا زالت تدور حول من يمكن أن يفعل ماذا بمن؟

فما الذي فعله بوتين؟ استخدم الجغرافيا لصالحه. والحقبة الحديثة لأوروبا من المفترض أن تكون حول انتصار الاتحاد الأوروبي على روابط الدم والعرق، وبناء نظام من القوانين من أيبيريا إلى البحر الأسود، وفي نهاية المطاف من لشبونة إلى موسكو. لكن الأزمة المالية الطويلة للاتحاد الأوروبي أضعفت تأثيره السياسي في وسط أوروبا وشرقها. وفيما كانت مثاليات الاتحاد الأوروبي الديمقراطية جذابة للكثيرين في أوكرانيا، إلا أن إملاءات الجغرافيا تجعل من شبه المستحيل لتلك الدولة أن تعيد توجهها بالكامل نحو الغرب.

وما يحدث في أنحاء العالم الآن يمكن وصفه بسياسة الفوز على حساب الآخر، وهي سياسة قديمة الطراز.

ويمكننا رؤية انقطاع التواصل في الشرق الأوسط. فالربيع العربي الذي هلل له ووصف بأنه أشهر مخاض لنوع جديد من الديمقراطية في المنطقة، سرعان ما تحول إلى أزمة في السلطة المركزية، ولم ينتج ديمقراطية وإنما حربا طائفية في سوريا، وفوضى في اليمن وليبيا، وغيرها.

والعيش في عالم حيث يجري فيه احترام الجغرافيا، لا تجاهلها، يتمثل في أن ندرك القيود التي يعمل في ظلها القادة السياسيون. بالتالي، فإن أوكرانيا يمكن أن تصبح مجتمعا مدنيا مزدهرا، لكن موقعها سيتطلب دوما علاقة قوية ومستقرة مع روسيا. والعالم العربي يمكنه في نهاية المطاف أن يستقر، لكن الجيوش الغربية لا يمكنها تنظيم مجتمعاته إلا بكلفة كبيرة عليها. وشرق آسيا يمكنه تجنب الحرب، لكن فقط من خلال العمل مع القوى العرقية القومية الموجودة هناك.

وعلى الأرجح ألا تتكرر الكوارث البشرية الهائلة للقرن العشرين، لكن المجتمع المدني الذي اعتقدت النخب أنه بإمكانها أن تؤسسه كان وهماً، والقوى الجغرافية النشطة لا يمكن ترويضها بسهولة.

 

تفوق

بعد إدراكه أنه لم يعد قادرا على السيطرة على أوكرانيا من خلال التلاعب بديمقراطيتها، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهجا أكثر مباشرة وميكانيكية. فقد أحكم السيطرة الفعلية على شبه جزيرة القرم الموالية لروسيا التي كانت أصلاً ضمن محيط نفوذه من جميع النواحي المهمة.

بعد ذلك، أمر بمناورات عسكرية في الجزء الروسي المجاور لشرق أوكرانيا، ليظهر التفوق الروسي الجغرافي على نصف أوكرانيا الموالي لروسيا، كما على الجزء الأوكراني الذي يزخر باحتياطيات الغاز الصخري الوفيرة. ويدرك بوتين، كما الغرب، أن تضاريس مسطحة على طول الحدود الطويلة بين روسيا وأوكرانيا تمنح موسكو ميزة ساحقة ليس من الناحية العسكرية فحسب، ولكن أيضا فيما يتعلق بتعطيل تدفق التجارة والطاقة إلى كييف.

ومن غير المرجح أن يغزو بوتين شرق أوكرانيا بطريقة تقليدية، بل سيستخدم الحدود التي يسهل اختراقها مع أوكرانيا لتقويض سيادة شرق أوكرانيا وروابطها مع غرب أوكرانيا.