على مدى قرون كانت شبه جزيرة القرم على علاقة بروسيا. وكان أمراً مقبولاً في عام 1946 أن تتمكن بيلاروسيا وأوكرانيا من التحلي بوضع مستقل كدول أعضاء في الأمم المتحدة، وأن تبقيا، في الوقت نفسه، جزءاً من الاتحاد السوفييتي من جميع النواحي المهمة.

لكن هذا الوضع تغير بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي في 1990/1991. ومع ذلك، بقي أسطول البحر الأسود الروسي طوال تلك الفترة يعمل من ميناء سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم في إطار ترتيبات خاصة، تم التوقيع على آخرها في عام 2012 بين الحكومتين الأوكرانية والاتحاد الروسي.

وبترتيب موازٍ نوعا ما لهذا الوضع، هو المعاهدة الأميركية مع كوبا الخاصة بالقاعدة البحرية الأميركية على الضفتين الغربية والشرقية من خليج غوانتانامو، أنشئت هذه القاعدة بداية في أواخر القرن التاسع عشر في أعقاب الحرب الإسبانية الأميركية. وتم التوصل مع الرئيس الأول لكوبا إلى إيجار دائم في عام 1903، وذلك من خلال المعاهدة الكوبية الأميركية التي أعطت الولايات المتحدة «ولاية قضائية كاملة وسيطرة»، فيما تم الاعتراف باحتفاظجمهورية كوبا بالسيادة النهائية عليها.

أزمة نووية

في ربيع عام 1962، كان الزعيم الروسي الأسبق نيكيتا خروتشوف في غاية الحماقة بـ«إثارته قلق العم سام»، من خلال البدء سراً بنشر صواريخ وأسلحة نووية في كوبا. وعندما اكتشف الأمر، استنفر الرئيس كيندي، وفقاً لمبدأ مونرو المتعلق بمناطق النفوذ، مطالباً بإزالتها في أجواء متوترة من المفاوضات في خريف تلك السنة.

اليوم، تؤكد روسيا أن شبه جزيرة القرم جزء من مناطق نفوذها، وهي لن تجازف بسيطرة الحكومة الأوكرانية الجديدة التي تعتبرها غير شرعية، على جزء كبير من القرم، ما قد يجعل الميناء البحري غير صالح للعمل.

وفي هذه الحالة، لدى الولايات المتحدة وبريطانيا موقف خاص في ما يتعلق بالحفاظ على «استقلال وسيادة وحدود أوكرانيا القائمة»، بحسب الكلمات الواردة في مذكرة بودابست بشأن الضمانات الأمنية في ما يتعلق بانضمام أوكرانيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي وقعها البلدان إلى جانب أوكرانيا والاتحاد الروسي يوم 5 ديسمبر 1994.

ونحن ملزمون بالتشاور مع الزملاء الموقعين، وآمل أن يحض كل من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ونظيره البريطاني وليام هيغ على خيار غوانتانامو في إطار المنتدى نفسه، إذا استمرت روسيا في رفض التفاوض مباشرة مع الحكومة الأوكرانية.

شكوك مبررة

والشكوك الروسية بسلوك فريق الاتصال تنبع من اتفاق التسوية الذي توسط فيه وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا، والذي كانت روسيا شاهدة عليه في نهاية فبراير، والموقع من قبل الرئيس الأوكراني حينها، وممثل الشعب عن حركة الاحتجاج في شوارع كييف، وغيرها من المدن التي تميل للغرب في أوكرانيا، والذي تم رفضه خلال ساعات. وغياب الولايات المتحدة، وإلى حد ما بريطانيا، كان خطأ جسيماً..

فيما بدا الاتحاد الأوروبي مرة أخرى نمراً من ورق. وينبغي أن تأخذ روسيا درساً من أن الاعتراف بالكيانين اللذين بزغا إثر بدء جورجيا بالاقتتال لاستعادة الأراضي، المعروفة الآن بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، تم من جانب عدد سخيف من البلدان. ونمط مشابه سيتبع شبه جزيرة القرم، ما لم تحل المسألة عن طريق التفاوض على غرار نموذج غوانتانامو.

والدرس واضح. النزاعات الإقليمية لا تحل إلا بعد مفاوضات مطولة وصعبة. أما مخاوف أولئك الذين يعيشون في المدن والبلدات في شرق أوكرانيا، وغالبيتهم شعب ينطق بالروسية، وله توجهات روسية بشكل واضح، فيجب أن تحل أيضاً من خلال تسوية يجري التفاوض عليها، وتنطوي على ضمانات على أن تكون بالكامل داخل أوكرانيا.

وإلى أن يجري حل هذه القضية الحساسة للغاية، فإن انغماس رؤساء دول مجموعة الثماني في عقوبات انتقامية ومقاطعة للبضائع لا يرتقي إلى مستوى الأحداث. ولا يوجد بديل عن تسوية تتناول التفاصيل العملية، وهذه إذا نجحت في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا ينبغي أن تمتد إلى كل النزاعات الحدودية.