في ظل الاضطراب السياسي المستمر في تركيا، كان بالإمكان أن يمر انتحار الأم المكلومة "هاتيس كان" دون أن يلحظه أحد.

وابنها أنور كان مهندسا معماريا شابا موهوبا، تخرج من إحدى الجامعات الرائدة. في عام 2010، اقتيد أنور إلى الحجز للاشتباه ببيعه المخدرات.

وزعم انه تعرض للتعذيب، وأسيئت معاملته لفظيا وجنسيا. وأثناء اطلاق سراحه، ضغطت الشرطة عليه لكي يصبح مخبرا. وبعد أسابيع من إحساسه بالكرب والاكتئاب، قفز من شرفة منزله منهيا حياته، وهذا الشهر انتحرت والدته البالغة من العمر 57 عاما.

وجهود العائلة لجلب ضباط الشرطة المسؤولين عن وفاة أنور إلى العدالة باءت بالفشل الذريع. وقد دفنت تركيا أخيرا الفتى بركن إيلفان البالغ من العمر 14 عاما.

كان في طريقه لشراء الخبز العام الماضي عندما أصيب بقنبلة غاز في الرأس تم إطلاقها خلال حملة لفرض النظام من قبل الشرطة ضد المحتجين المناوئين للحكومة في حديقة جيزي. وبعد أشهر في الغيبوبة، أصبح الضحية الثامنة للوحشية المستخدمة من قبل الشرطة لإخماد اضطرابات العام الماضي.

عبث مؤلم

وقد توافد عشرات الألوف من الناس لحضور مأتم بركن، لكن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه على المشيعين. بالتالي أدت وفاته إلى موجة من الاحتجاجات والاشتباكات الجديدة في جميع أنحاء البلاد.

وقد توفي شخصان أخيرا، وكما تقول تغريدة المخرج أوميت أونال بشأن هذه الدوامة المفرغة من العنف والحزن :"العيش في هذا البلد تحول إلى عبث مؤلم".

وفيما تبدو الصحف ومحطات التلفزيون في إطار التيار العام في تركيا مترددة إزاء القيام بتغطية شاملة لهذه المآسي، تمتلئ الإنترنت بغضب نشطاء الرأي العام. وعبر مواقع "يوتيوب" و"فيسبوك " و"تويتر"، يعبر سكان المدن الشباب في تركيا بشكل متزايد عن سخطهم وإحباطهم.

وفيما يجري تسليط الضوء على فضائح الفساد التي تشمل مسؤولين حكوميين ورجال أعمال، وحتى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وعائلته، فإن تحولا لا رجعة فيه تعيشه البلاد.

وفي كل يوم يجري تسريب شريط جديد غالبا في المساء عندما يكون استخدام الإنترنت في ذروته. ويتفق كل من أنصار أردوغان وخصومه بأن حزب العدالة والتنمية يواجه التحدي الأكبر خلال 11 عاما من وجوده في السلطة.

ومن بين التسريبات، كان هناك شريط بشأن المزاعم عن تحدث أردوغان إلى نجله للتدخل في الانتخابات على رئاسة نادى فناربخشة لكرة القدم.

وإذا كانت التسجيلات تسبب حالة من الصدمة، فإن الطريقة التي تم الحصول عليها تعتبر أيضا مثيرة للإشكاليات. ويزعم أن ضباطا مقربين من حركة غولن، الخصم الرئيسي لأردوغان، قامت بالسر وبطريقة غير مشروعة بالتنصت على ألوف المكالمات الهاتفية، وسجلت ألوف المحادثات على مدى سنوات.

 وتنشر الصحف الموالية للحكومة تفاصيل عن التنصت، والتي هي بحد ذاتها فضيحة أخرى. وأردوغان وغولن الحليفان في المعارك السابقة ضد الجيش التركي، متورطان الآن في نزاع ملحمي، طفا إلى السطح لأول مرة في عام 2010 بعد مهاجمة غولن للطريقة التي تعامل بها أردوغان مع أزمة أسطول المساعدات لغزة. وحاليا، يلقي أردوغان اللوم على غولن لتأجيجه مؤامرة مناهضة للحكومة.

وتواجه تركيا، المنقسمة أصلا بين المحافظين والعلمانيين، استقطابا آخر الآن. لكن الأتراك انفسهم متعبون بشكل متزايد من معركة كسر الإرادات تلك، وأشخاص من خلفيات أيديولوجية وثقافية مختلفة متحدون الآن في عدم الثقة بعمق بحكامهم.

تقدير الدولة

منذ الطفولة، يتعلم الأتراك تقدير الدولة، لكن الاحترام للدولة اليوم هو في أدنى مستوى من أي وقت مضى. وفيما يحتدم الصراع على السلطة، فان الشعب التركي يشعر بأنه تعرض للخيانة والهجران. وبمعزل عمن سيفوز من الجانبين، سواء رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أو خصمه غولن، فإن الديمقراطية في تركيا ستكون الضحية.