"النفط مصدر قوتنا"، هذا هو العنوان الذي يتصدر الحملة التي أطلقتها وزارة النفط في ليبيا عبر لافتات الشوارع.
أما المقصود بهذه الدعاية، فهو تعزيز الكرامة الوطنية في تلك البلاد التي لا زالت تعصف بها خطوط التصدع الإقليمية والقبلية، بعد ثلاث سنوات من الإطاحة بدكتاتورها الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
لكن أخيرا في النصف الشرقي المضطرب من ليبيا، والمعروف باسم برقة، حاول مسلحون جعل هذا الشعار واقعاً سياسياً.
بدءاً من يوليو الماضي، فرضت جماعة تطلق على نفسها "المكتب السياسي لبرقة" حصاراً على موانئ النفط الرئيسية في ليبيا، المصدر الرئيسي للدخل في البلاد.
وكانت ذريعتها الأولى الاحتجاج على التزوير المزعوم في حسابات صادرات النفط، قبل أن تتسع طموحاتها بعد ذلك، حيث حققت في 11 مارس الماضي، نجاحا مباغتا بتحميل 234 ألف برميل من النفط الخام بقيمة 30 مليون دولار على متن ناقلة ترفع علم كوريا الشمالية، في تحد للحكومة المركزية.
انقلاب الأوضاع
على الأثر، ردت السلطات في العاصمة طرابلس بشراسة. ووصف رئيس الوزراء آنذاك علي زيدان في 9 مارس ما حصل بعمل من أعمال القرصنة، وحذر من أن الناقلة سوف تتعرض للقصف إذا حاولت مغادرة ميناء سدرة الليبي. وتم إرسال فرقاطة تابعة للبحرية لمنع السفينة من المغادرة.
وعندما تمكنت السفينة من الإبحار بعد مناوشات محدودة على ما يبدو، صوت برلمان ليبيا المؤتمر الوطني العام المؤلف من 200 عضو، على إقالة زيدان. وبدأت ميليشيات محلية قوية موالية للمؤتمر الوطني العام بالتقدم من سرت، وأعطي المتمردون أسبوعين للتخلي عن محطات النفط.
وهذه الدراما هيأت المسرح لما كان يتخوف بعض المحللين من أن يشكل منزلقاً أعمق نحو الاضطرابات.
فالمتمردون في الشرق ليسوا بمقدرة القوات الموالية للحكومة الأفضل تسليحاً، وسكان برقة البسطاء لا رغبة لهم في حرب شاملة أخرى، لا سيما في ظل المنافسات المحلية المريرة، ويبقى الخطر ماثلاً من أن تبالغ السلطات في طرابلس بتأكيد سيطرتها إلى حد إثارة حركة تمرد واسعة النطاق في شرق البلاد.
وبالتحرك للإطاحة بزيدان، أكد المؤتمر الوطني العام أنه السلطة الرئيسية في ليبيا. لكن المؤتمر منقسم بين الفصائل المختلفة، ولديه عدد قليل من الأدوات لفرض سلطته.
وإلقاء اللوم على رئيس الوزراء السابق في الفشل الذريع بشأن إبحار الناقلة، كان بمثابة توجيه للمدعي العام لاتهامه بالاختلاس، لكن زيدان تمكن من الفرار إلى ألمانيا.
وفي الواقع، ينظر عدد كبير من الليبيين إلى المؤتمر الوطني العام ببرود، كما باتوا ينظرون إلى زيدان. فما وراء مناورات المؤتمر الوطني العام، يرى كثيرون يد الجماعات الإسلامية النافذة بقيادة حزب العدالة والبناء الليبي التابع لجماعة الإخوان المسلمين. وخلال وجود زيدان في منصبه لعام ونيف عمدت هذه الجماعة بشكل متكرر لإحباط مبادرات حكومته.
ويعتقد أن رئيس الوزراء المؤقت المعين حديثاً عبدالله الثني مقرب من الإسلاميين، كما المتحدث باسم المؤتمر الوطني العام نوري أبو سهمين، وأنهما مدعومان من قبل الميليشيا الأفضل تسليحا في البلاد ومقرها في مدينة مصراتة، فيما رئيس الوزراء الليبي السابق زيدان كان مدعوماً من قبل جماعات مسلحة من زنتان إلى الجنوب الغربي من طرابلس. وقد اشتبكت هذه القوات المتنافسة في أنحاء طرابلس لعدة أشهر.
مخاطر واردة
والقتال في الشرق يمكن أن يستثير عصياناً مسلحاً أوسع نطاقاً، كما أن تعميق الاضطرابات في طرابلس يمكن أن يغري سلطات محلية أخرى لا سيما في الجنوب العميق لإعلان حكمها الذاتي. وإذا ظهرت حكومة صديقة للإخوان المسلمين في طرابلس، فإن هذا الأمر سيجعل الدول المجاورة مثل مصر والجزائر تشعر بالقلق.
وقد تتمكن ليبيا من سحب نفسها بعيدا عن حافة الهاوية، فبدلاً من محاولة الاحتفاظ بسرت، انسحب متمردو برقة بهدوء إلى خط الحدود القديمة التي ألغيت في عام 1963.
يشير المتفائلون إلى أن الإطاحة بزيدان تمت من قِبل حكومة منتخبة، وقد غادر دون إطلاق نار، وأعضاء المؤتمر الوطني العام وعدوا بانتخابات وطنية جديدة بحلول منتصف الصيف، لكن هذه الانتخابات تبدو الآن بعيدة كثيرا على نحو سيئ.
مزيج مشتعل
في أعقاب طرد زيدان، أصدر المجلس العسكري في مدينة طرابلس أمرا بانسحاب "القوات التي تحتل مواقع استراتيجية". وقد اعتبر هذا بمثابة تحذير لجماعة زنتان، التي تسيطر على مطار العاصمة الرئيسي.
وأصبحت بنغازي غير آمنة على نحو متزايد، بحدوث تفجيرات شبه يومية واغتيالات تبدو أنها موجهة لتقويض أي سلطة أخرى لصالح الفصائل المتشددة.
وفي ظل تراجع صادرات النفط من 1.4 مليون برميل في اليوم إلى حوالي 235 ألف برميل، بددت الحكومة المركزية الاحتياطيات الأجنبية للحفاظ على تدفق الرواتب. وليس واضحا كم من الوقت تستطيع أن تستمر في تحمل هذا الوضع. وكل هذه المكونات تشكل مزيجاً قابلاً للاشتعال.
