قبل أربعين عاماً، صاغ المؤرخ الأميركي أرثر شليسنجر مصطلح «الرئاسة الإمبراطورية»، ليصف القوة المتزايدة للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة.
واليوم، يقال إنها آخذة في التقلص. في أميركا، يبدو الرئيس الأميركي باراك أوباما عاجزاً وغير قادر على إقناع الكونغرس الأميركي بالتصديق على أمر طفيف يخص تعيين السفراء. وفي الخارج، فإنه في مسار اللحاق بركب ما يطلق عليه المؤرخ في جامعة هارفرد، نيال فيرغسون، «الانحسار الجيوسياسي التدريجي»، فإن الأمر المؤكد هو استجابة أوباما الفاترة لتحدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يقال إن السلطة التنفيذية في أميركا تضعف تدريجياً، وإن أوباما سيذكر في المستقبل بالرئاسة ما بعد الإمبراطورية.
وهذا النقاش عبارة عن هراء في معظمه، إذ إنه يخلط في المقام الأول بين الوسائل المستخدمة وتفضيل أمر على آخر، وأوباما بالتأكيد يكره توظيف القوات الأميركية التقليدية في الخارج، سواء في الشرق الأوسط أو في البحر الأسود. وتم انتخابه بناء على تفويض لتقليص الحروب، وهو ليس على وشك إعادة النظر في هذا الأمر في شبه جزيرة القرم.
صلاحيات واسعة
ربما يشعر منتقدوه بالقلق إزاء استعداد البيت الأبيض للتهديد بانسحاب كامل من أفغانستان، لكن هذا الأمر لا معنى له. إذا أراد أوباما احتلال أفغانستان لأجل غير مسمى، يمكنه القيام بذلك من دون العودة إلى الكونغرس الأميركي إلا بحدود دنيا. في عام 2008، لم يفكر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حتى في مواجهة روسيا عسكرياً على شبه غزوها لجورجيا، كان هذا من شأنه أن يخاطر بكل شيء. أما أوباما، فإنه بحزم ضمن التيار الرئيس السائد لناحية اعتقاده أن الولايات المتحدة لن تهدد بالحرب قوة نووية منافسة، إلا إذا كانت هي أو حلفاؤها في المعاهدة تحت التهديد المباشر.
وفي المقابل، ليس لدى أوباما إحساس بوخز الضمير تجاه استخدام أدوات عسكرية أقل تقليدية عندما يرغب في ذلك، ومن دون استشارة أحد خارج السلطة التنفيذية. وتصور الميزانية الأخيرة للبنتاغون هذا الوضع أحسن تصوير. فالجنود الأميركيون الآن مجهزون بشكل أفضل بكثير، وتقليص حجم القوات الأميركية يعكس تزايد الإنتاجية.
يصف فيرغسون التقليص في ميزانية البنتاغون الأخيرة بـ«التخفيضات الكبيرة»، غير أن النمو الأكبر في الرئاسة الإمبراطورية كان يتمثل في المجمع الخاص بالبيانات الاستخباراتية، تلك الشبكة الغامضة من الوكالات الأميركية والمتعاقدين من القطاع الخاص الذين يعملون إلى حد كبير فوق سيطرة الكونغرس الأميركي والمحاكم، وهناك 854 ألف مقاول من القطاع الخاص فقط.
الدولة العميقة
وقد كتب مايك لوفجرن الذي كان ضمن طاقم الجمهوريين في الكونغرس سابقاً عن «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة، ووصفها بأنها «كيان هجين من المؤسسات العامة والخاصة تحكم البلاد. وتتم السيطرة عليها بشكل متقطع من قبل الدولة المرئية التي نختار قادتها». وفي أعقاب ما كشفه إدوارد سنودن، أعرب أوباما متأخراً عن شعور بالقلق ممزوج بالراحة إزاء الصلاحيات الاستثنائية الموجودة تحت تصرفه، حتى إنه «رحب» بالنقاش الذي تسببت فيه تسريبات سنودن، مع التعهد بمحاكمته بوصفه خائناً.
وفيما يشير أوباما من خلال كلماته إلى عدم رغبة في استخدام قدراته الهائلة، فإن أفعاله توحي بعكس ذلك. في يناير الماضي، رفض أوباما مشورة لجنته الخاصة من المستشارين القانونيين بنزع تخزين البيانات من يد وكالة الأمن القومي التي تمضي بمركز تخزين في أوتاه يمكن أن يحتوي على يوتابايت من المعلومات.
ورفض أيضاً فرض قيود على «محكمة مراقبة الاستخبارات الخارجية» السرية التي تصدر المذكرات في الحالات التي ترى وكالة الأمن القومي الحاجة فيها إلى التنصت على سجلات الهاتف ورسائل البريد الإلكتروني العائدة للناس. في عام 2012، تلقت المحكمة 1789 طلباً لم يرفض إلا واحد منها. وليس هناك سبب للاعتقاد أن أي شيء قد تغير عام 2013.
ويعد أوباما بضبط النفس، لكن حتى لو افترضنا أن «الدولة العميقة» تتبع أوامره وتبقيه على علم بما تقوم به، فإن النموذج الذي يمثله لن يكون ملزماً لمن يخلفه.
ولا مجال للجدل في أن رئاسة أوباما على الجبهة الداخلية ضعيفة بقدر أي إدارة أخرى في الذاكرة الحية، وقد يكون هذا أيضاً واقع من سيحل مكانه في المستقبل. والجمود الحزبي موجود ليبقى، لكن تحت سطح الحياة السياسية في واشنطن، توجد دولة أخرى تعمل متجاوزة أي نظام معقول من المساءلة. وفي مسرح السياسة الأميركية، يبدو أن كل ما يفعله أوباما هو مجرد كلام من دون أفعال. أما ما وراء الكواليس، فإن لديه سلطة أكبر تحت متناوله أكثر من أي رئيس أميركي في التاريخ.
تجهيز أكبر
تصور الميزانية الأخيرة للبنتاغون قدرة الرئيس الأميركي باراك أوباما على استخدام أدوات عسكرية أقل تقليدية من دون استشارة أحد خارج السلطة التنفيذية. وفيما ركز كتّاب عناوين الصحف على التقليص المزمع للجيش الأميركي إلى 440 ألف جندي، وهو أدنى مستوى له منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، وفيما وصف الصقور في أميركا الميزانية بأنها تأكيد أن الولايات المتحدة في تراجع تام، فإن الواقع يشير إلى أن الجنود الآن مجهزون بشكل أفضل بكثير. في عام 2001، كانت كلفة تجهيز عنصر واحد في مشاة البحرية الأميركية 2300 دولار، أما الآن فقد أصبحت أكثر من 20 ألف دولار أميركي.
وكما هي الحال في القطاع الخاص، فإن تقليص الحجم يعكس تزايد الإنتاجية، والبنتاغون أصبحت تستخدم الروبوتات. كما أن إجمالي الإنفاق الأميركي على الدفاع يبقى إجمالاً أعلى بنسبة ثلثين مما كان عليه قبل هجمات سبتمبر عام
