رزحت حكومة جورجيا في يوليو عام 2008 تحت ضغوط كبيرة، فقد كانت روسيا تنظم أعمالاً استفزازية في منطقتين في جورجيا، وتحشد القوات على الحدود. وقد قال كل سياسي غربي قامت حكومة جورجيا بإثارة مخاوفها أمامه في تلك الأيام «إن روسيا لن تهاجم»، وحضنا على الحفاظ على الهدوء، وعدم الرد على التحركات الروسية. وصديقي أوتو فون هابسبورغ أحد ساسة أوروبا الأكثر خبرة تنبأ بصراحة أن روسيا ستهاجم بكل القوة العسكرية الموجودة تحت تصرفها، بغض النظر عما فعلته جورجيا لتجنب مثل تلك النتيجة، وقال لي إن التاريخ يعيد نفسه.
وبعد ذلك ببضعة أسابيع، عبر عشرات الألوف من الجنود الروس الحدود الجورجية، وبدأت الطائرات بقصف جورجيا على مدار الساعة. وفيما فشل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تحقيق هدفه النهائي بالاستيلاء على عاصمة جورجيا، فإن قواته لاتزال تحتل خُمس أراضي جورجيا. وهناك تشابه صارخ بين المراحل الأولى من العدوان الروسي على جورجيا وما يحصل في أوكرانيا الآن. ومن خلال مراقبة الأحداث الأخيرة والرد الدولي عليها، أمضي في التفكير في مقولة التاريخ يعيد نفسه.
خطأ مماثل
تحت ستار الحاجة إلى احتواء ووقف انتشار الشيوعية، توصل تشامبرلين إلى صفقة مع هتلر في ثلاثينات القرن الماضي. الآن، طبعاً، نعلم أن كل محاولات استرضاء النازيين أفضت بالقوى الأوروبية الكبرى إلى جعل أوروبا طعاماً سائغاً لهتلر دولة تلو الأخرى، وفي نهاية المطاف أدت إلى الحرب العالمية الثانية.
ومثل تلك الكوارث العالمية هو ما يحدث عندما ينهار النظام الدولي الراسخ ويجري الكف عن تطبيق القواعد. وأوكرانيا هي التجسيد الأخير الأكثر وضوحاً لذلك. وتخيلوا لو أن أوكرانيا لم تتخل عن ترسانتها النووية الكبيرة في تسعينات القرن الماضي. ولإقناع الأوكرانيين للقيام بذلك، فإن كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى جانب روسيا وقعت اتفاقيات تضمن سلامة الأراضي الإقليمية لأوكرانيا، في مقابل تخليها عن أسلحتها إلى روسيا. ومع ذلك، هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه الآن.
وبشكل مماثل، يتساءل البعض اليوم عما إذا كان الغرب ينبغي أن يهتم بما يجري في أوكرانيا، ويقول إن روسيا لديها على المحك هناك أكثر مما لدى الغرب. وكثيرون في الغرب يتحدثون عن الحاجة إلى التوصل إلى نوع من التسوية مع روسيا. ويدعي هؤلاء أن دافعهم المصالح الاستراتيجية المشتركة، مثل منع انتشار الأسلحة النووية ومكافحة الإرهاب.
والاتحاد الأوروبي وروسيا وقعا على اتفاقية تنص على انسحاب القوات الروسية من جورجيا في عام 2008، وروسيا لم تمتثل، لكن هذا الأمر نادراً ما يذكره الضامنون الأوروبيون.
دوافع محتملة
ودوافع بوتين شبيهة بدوافع ألمانيا ما قبل الحرب، لجهة أنه يريد تصحيح ما يراه معاملة غير عادلة وإذلالاً من قبل القوى الغربية بعد الحرب الباردة. وهو يحاول استعادة الأراضي المفقودة والاستيلاء على الموارد الطبيعية. وقيل القليل عن موارد النفط البحرية في أبخازيا التي صادرها الاحتكار الحكومي الروسي «روسنفت» في عام 2009. وقد استثمرت الشركات الأميركية بشكل كبير في حقول الغاز الصخري قبالة شبه جزيرة القرم. لكن بروز أوكرانيا باعتبارها مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة، وحتى مصدراً رئيسياً للغاز إلى أوروبا، سيكون كابوساً مطلقاً لبوتين.
ويزعزع بوتين استقرار جيرانه في جهد لقتل شهية حلف شمالي الأطلسي «ناتو» والاتحاد الأوروبي نحو مزيد من التوسع. وهو يريد أيضاً الاستيلاء على الأراضي بشكل دوري كما لو أن ذلك، بطريقة ما، الطريق إلى التجديد السياسي له داخلياً. وهناك منطق في تصوره للتهديدات الأيديولوجية، إذا توقفت أوكرانيا عن أن تكون أوليغارشية فاسدة وأصبحت ديمقراطية أوروبية فعلية، فإن خصوم بوتين سيرون التناقض والمنفعة المحتملة من وراء محاربة وضعهم القائم.
فلماذا ينبغي على الغرب أن يهتم بما يحدث في أوكرانيا؟ نحن لا نشهد تقطيع أكبر بلد في أوروبا فحسب، لكن أيضاً تدميراً للنظام الذي تلا الحرب الباردة في أوروبا. ونحن لسنا بحاجة إلى شخص يتمتع برؤية ثاقبة مثل تشرشل لتبيان ما يفترض القيام به بعد ذلك.
دوامة عنف
نظام ما بعد الحرب الباردة قائم على قواعد واضحة لا تحمي البلدان الصغيرة فحسب، بل تضمن أيضاً استقرار وازدهار البلدان الأكبر حجماً، وتحمي الأقليات وتحل النزاعات عن طريق آليات سلمية. فلنفكر في العواقب المترتبة لو أن الحدود في جميع أنحاء القارة الأوروبية عادت إلى خطوطها العرقية. وإذا لم تعد هناك قواعد، فإن دوامة متصاعدة من العنف والدمار تصبح أمراً لا مفر منه.
لايزال من الممكن تجنب مثل هذه النتيجة. والعقوبات الأميركية المعلنة أخيراً، تشكل خطوة أولى جيدة. وينبغي تنفيذها على الفور وتحتاج أوروبا إلى تعزيز استجابتها الخاصة، وكل من أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا، لا بد من وضعها على المسار السريع في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأن تمنح خطط عمل لعضوية «ناتو» من أجل أن تظهر لروسيا أنها لا تستطيع تحقيق غاياتها بوسائل غير قانونية.
