ملء الفراغ الذي يخلفه زعيم كاريزمي يشكل تحدياً على الدوام، والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كافح لتولي زمام سلطة سلفه الراحل هوغو شافيز. وبرهن عبء شغل مقعد الرئاسة على انه أكثر مشقة، بعد أن بات على مادورو البدء بالتعامل بنشاط مع القرارات الصعبة التي تم تأجيلها أو تجنبها من قبل شافيز، الذي توفي منذ سنة.

ومن بين التحديات التي ورثها مادورو الذي تولى الرئاسة بأغلبية ضئيلة للغاية في الانتخابات في أبريل الماضي، هناك تحديان ضاغطان: مشكلة الجريمة والفساد المروعة التي دفعت بفنزويلا إلى مصاف الدول العشر الأولى في مؤشرات الفساد والقتل عالميا، والاقتصاد المختل وظيفيا.

والجريمة والفساد بات لهما فترة طويلة، وقد ورثهما شافيز من السياسيين في عهد النظام القديم الذين سعوا إلى عزله في انقلاب فاشل عام 2002. والتعديل الوزاري المستمر وفشل الحكومة في التعامل مع تلك القضايا باعتبارها مشكلات اجتماعية ومؤسسية، بدلاً من جوانب للرأسمالية سوف تضمحل تحت نموذج شافيز من الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين، أدى إلى تفاقمهما.

المنطق الزائل

وارتفاع التضخم والنقص في المواد هما نتاج دولة تتدخل في سلوك سكانها بقصد تأطير الاقتصاد الاشتراكي. في أوائل القرن الحالي، كانت الضوابط الموضوعة على الأسعار وسعر صرف العملة منطقية في ظل إغلاق المؤسسات العائدة للقطاع الخاص، وهروب الرساميل الهائلة، والحاجة إلى ضمان وصول الفقراء، أنصار شافيز الأساسيين، إلى السلع والخدمات المرتفعة الأسعار.

لكن منطق الاحتفاظ بها قد انتهى مفعوله منذ مدة طويلة.

وبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لتلك المشكلات، فإن مادورو قام بتعديلات طفيفة. وعزي هذا في جانب منه إلى أنه لا يرغب في أن ينظر إليه على أنه يخون إرث شافيز.

وأسعار الصادرات النفطية المرتفعة ساعدته في ذلك، لكن معارضة التحالف بقيادة هنريك كابريلس، زادت الضغوط السياسية على حكومته.

في البداية، بدا أن الوقت يعمل لصالح مادورو، ولا يواجه تحديا كبيرا لولايته البالغة ست سنوات، ما عدا احتمال استفتاء لتنحيته مبكرا يسمح به الدستور في عام 2016. لكن أخيرا، أطلق الطلبة الحاذقون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي موجة من الاحتجاجات المزعزعة للاستقرار.

والتعبئة الأولى ركزت على إخفاقات الحكومة في الجريمة والفساد والاقتصاد، لكنها سرعان ما تحولت إلى مطالب لتنحية مادورو.

وهذا الأمر شد الطلبة إلى تحالف مع العناصر المتشددة من المعارضة ليوبولدو لوبيز وماريا كورينا ماتشادو. ومثل الحركة الطلابية، فإن المتطرفين المناهضين للنظام استفادوا من التمويل الأجنبي، إلى حد كبير من جانب الولايات المتحدة.

وكما حصل في انقلاب عام 2002، فإن الزعماء المناهضين للحكومة لم يعترفوا بالمعارضة واسعة النطاق للعنف والاختلال والاضطراب، والاحتجاجات الآن في انحسار.

وما ألحق الضرر تحديدا بحركة الاحتجاج، كان تداول وسائل الإعلام الاجتماعي صوراً ملفقة عن وحشية مزعومة من قبل الحرس الوطني، بما في ذلك مزاعم عن عنف جنسي أرسلتها ممثلة محلية كتغريدة على موقع تويتر. وهذه الجهود لتدويل الدعم وتأجيج الرأي العام تجاهلت الفنزويليين البسطاء الذين يدعمون المسار الديمقراطي، والذين في غالبيتهم يدعمون مادورو.

وتواجه فنزويلا تحديات اقتصادية وأمنية خطيرة. ومادورو يعترف بأنه لا يمكنه التعامل معها إلا عبر حوار وطني. ومؤتمر سلام أولي عقد في نهاية فبراير تمت مقاطعته من قبل المتطرفين وكابريلس، لكن حضرته شخصيات معارضة أقل بروزاً. وهؤلاء، بدلاً من كابريلس، قد يكونون المستفيدين من الإحباط الشعبي مع مادورو، الذي يجد موقعه يتعزز حتى الآن.

 

أسباب الهزيمة

 

تعرض المعارضان الفنزويليان المتشددان ليوبولدو لوبيز وكورينا ماتشادو، لهزيمة على يد هنريك كابريلس في الانتخابات التمهيدية، فقد رفضا أخيرا رغبة كابريلس في الدخول في حوار مع مادورو بشأن مسائل تتعلق بالسلامة العامة بعد مقتل ملكة جمال فنزويلا السابقة في يناير الماضي.

وخوفا من أن يكون قد تراجع دوره في الحركة المناهضة للحكومة الشعبية، وقف كابريلس وراء الاحتجاجات. وهذا الأمر قد يبرهن على أنه سبب دماره وليس مادورو.