آسيا تقرر بقاء النظام العالمي في المستقبل

نعيش في عالم من دون حرب أو حتى صراع كبير بين القوى العظمى، نعيش أيضاً في عصر من النمو الاقتصادي. وكل هذا يبدو طبيعياً، لكنه في الواقع ليس كذلك. فالنظام العالمي الحالي من التجارة والتعاون بدلاً من الحرب والمنافسة أمر نادر الحدوث تاريخياً. فهل سيدوم؟

يعتمد الجواب إلى حد كبير على آسيا، التي ستكون في غضون 10 أعوام موطناً لثلاثة من أكبر أربعة اقتصادات في العالم. وهناك سيناريوهان محتملان. الأول هو أن البلدان الآسيوية ستتبنى نظام التجارة الحرة المفتوح القائم على القواعد، وتقوم بترسيخه. والثاني أنها ستصبح أكثر قومية فيما تزداد ثراء، وستركز على المصالح الضيقة، وتسعى وراء نزعة حمائية تجارية، وتزيل بالتالي، إن لم تدمر، ما يصفه البعض في تلك البلدان "النظام الدولي الغربي".

الشراكات المطروحة

وهذا ليس نقاشاً نظرياً، فلعبة عظيمة تجري على قدم وساق في آسيا. وترغب الولايات المتحدة في تعزيز قوى الانفتاح والقواعد والتجارة الحرة من خلال التوصل إلى اتفاقية تجارية طموحة مع العديد من البلدان الآسيوية، أي الشراكة عبر المحيط الهادئ. والصين من جهتها تقترح "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة"..

وهي اتفاقية تجارية للدول الآسيوية فقط تطالب القليل من تلك البلدان فيما يتعلق بالالتزام بالإصلاحات القائمة على السوق، أو بمعايير البيئة والعمل، وتقدم لها إمكانية أكبر للنفاذ إلى الصين كهدية من بكين. وهذا النوع من الاتفاقيات يمكن أن يقدم مصالح الصين الضيقة، لكنه لا يفعل إلا القليل لبناء نظام إقليمي مفتوح قائم على القواعد.

ومعظم البلدان الآسيوية ستلتزم طبيعياً من أجل التوسع في السوق الصيني. وهذه البلدان مستعدة لإجراء تنازلات مؤلمة للالتزام برؤية أميركا للمنطقة. لكن المكان حيث الرؤية الأميركية تبدو أكثر ضبابية هو في داخل الولايات المتحدة نفسها. فالديمقراطيون في الكونغرس تخلوا عملياً عن التجارة الحرة، والجمهوريون على غير استعداد لدعم الرئيس الأميركي باراك أوباما.

والسبب الاقتصادي وراء دعم واشنطن للشراكة عبر المحيط الهادئ وغيرها من الاتفاقيات التجارية الطموحة الأخرى مع البلدان الأوروبية، كالشراكة التجارية الاستثمارية عبر الأطلسي، واضح للعيان. فالسوق الأميركية مفتوحة على مصراعيها. ففي السنة الماضية، وصلت نسبة السلع المعفاة من الرسوم الجمركية إلى 68% من قيمتها، وما تبقى دخل بمعدل تعرفة جمركية نسبتها 4.4%.

وستتطلب أي اتفاقية جديدة تنازلات أكبر بكثير من البلدان الأخرى مما من الولايات المتحدة، لأن أسواق تلك البلدان تبقى أكثر انغلاقاً بكثير. كما ستفتح الأسواق في مواقع أكثر صعوبة، مثل الملكية الفكرية، والشركات المملوكة للدولة وما يسمى القيود غير التعريفية.

أمر منسي

ويبقى هناك مجال للسير إلى الأمام حتى في ظل الطريق المسدود في واشنطن. لكن تراجع الحزب الديمقراطي عن التجارة الحرة على مدى العقدين الماضيين كان محطماً للمعنويات تماماً وعلى خلاف تاريخه. وهناك حنين إلى الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت بين الديمقراطيين هذه الأيام، فيما هم ينظرون في كيفية محاربة الركود، وإيجاد شبكة أمان اجتماعي..

وجعل الحكومة الحازمة مثيرة للإعجاب. لكن الديمقراطيين ينسون عنصراً حاسماً آخر في إرث روزفلت، وهو التجارة الحرة. يشير دوغلاس إيه اروين في مقالة لمجلس العلاقات الخارجية، إلى أن سلطة "المسار السريع" ، بإعطاء الرئيس الأميركي سلطة التفاوض على اتفاقيات تجارية، أوجدتها إدارة روزفلت في عام 1934. وروزفلت ووزير خارجيته كورديل هال أدركا أن التجارة الحرة تساعد في إنتاج ليس فقط الازدهار لكن أيضاً السلام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات