لم تكن العلاقات الصينية اليابانية يوماً غير مستقرة إلى هذا الحد منذ أن أقام الجانبان علاقات دبلوماسية في عام 1972. ومن وجهة نظر الصين، يشكل التحول اليميني في السياسة الداخلية اليابانية سبباً رئيسياً للوضع الذي وصلت إليه العلاقات الصينية اليابانية.
وهذا المنعطف اليميني هو نتاج ثلاثة تطورات محلية في اليابان: شهدت البلاد ضياع "عقدين مفقودين" أنهيا المعجزة الاقتصادية اليابانية الباعثة على الفخر. ومرت على البلاد سلسلة متواصلة من الزعماء الضعفاء على مدى 10 أعوام، ثم هناك كارثة فوكوشيما النووية في عام 2011 وغيرها من المحن الاجتماعية الأخرى التي عصفت بالمجتمع الياباني.
والمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مجتمعة أدت إلى شعور قوي بعدم الأمان بين اليابانيين، وتصور متزايد بأن صعود الصين يشكل الكابوس المحتمل لليابان.
غياب المصالحة
وعلى الرغم من تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين بكين وطوكيو، إلا أنه للأسف لم تكن هناك مصالحة حقيقية بين الشعبين في يوم من الأيام، كما هي الحال على سبيل المثال بين فرنسا وألمانيا. وذكرى فظائع الحرب اليابانية تظل حية وحادة في أذهان معظم الصينيين. وتبقى الصين في مواجهة اليابان، الدولة غير النادمة، التي يرفض رئيس وزرائها أن يطلق على الحرب عملاً من أعمال العدوان.
وبناء على هذه الخلفية، استلزم الأمر مجرد حادثة واحدة، مثل قرار طوكيو بـ"تأميم" جزر دياياو "سنكاكو" لإثارة سلسلة من ردود الفعل القوية من الصين.
ويظهر سجل بكين أن الجانبين اتفقا على تنحية هذا الخلاف جانبا عندما أقاما علاقات دبلوماسية في عام 1972. وأدلى الزعيم الصيني المصلح دينغ شياو بينغ بقوله الشهير في مؤتمر صحافي عقد في طوكيو في عام 1978 عندما وقع الجانبان معاهدة السلام والصداقة: "اتفقنا على تأجيل النزاع إلى المستقبل، ونحن نعتقد أن أجيالنا المقبلة ستكون أكثر ذكاء مما نحن عليه اليوم في إيجاد حل مقبول من الطرفين للخلاف".
ودعا أيضاً إلى نهج معقول للتعامل مع الخلاف، بأن يرجئ البلدان القضية والبدء في عمليات تنقيب مشترك (عن الموارد في المنطقة)، الذي لا زال في نظري الخيار الأكثر جدوى لكلا الجانبين. ومن الواضح أن قرار اليابان في عام 2012 بـ"تأميم" الجزر المتنازع عليها، شكل إذلالاً وسبب غضباً لمعظم الصينيين.
ومع مجيء الرئيس شي جينبينغ إلى السلطة، وهو زعيم أكثر ثقة بنفسه وببلاده، حولت الصين موقفها العام مما يمكن أن يطلق عليه "غموض استراتيجي" إلى "وضوح استراتيجي".
الوضوح الاستراتيجي
وقال جينبينغ إن الصين ستسعى نحو التنمية السلمية لكن يفترض بالآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه، في رد فعل على "التمحور الأميركي باتجاه آسيا" وتنامي النزعة العسكرية للجناح اليميني في اليابان. وفي الواقع، هناك بين الصين واليابان بالفعل أربع وثائق قانونية وسياسية تلزم الجانبين بحل خلافاتهما سلمياً وعن طريق المفاوضات. والتصرف الأحادي الجانب من جانب اليابان في "تأميم" جزر دياياو اعتبر من قبل بكين انتهاكاً لهذا المبدأ.
و"الوضوح الاستراتيجي" للصين قد يكون مستفزاً للبعض، لكنه ربما قد يخدم مصالح كل الجهات المعنية بتجنب سوء تقدير استراتيجي، حيث إن بكين قامت بالإعلان عن مواقفها القديمة بطرق أكثر وضوحاً. وفي هذا الصدد، قد تكون بكين قد خلصت بشيء مفيد من تعاملاتها مع تايبه.
وبكين رسمياً تقدمت بشعار "الصعود السلمي" للصين (وفي وقت لاحق "التنمية السلمية) في عام 2003، لكنها تبنت قانوناً مناهضاً للانفصال في عام 2005 الذي يلزم بكين بتبني ما يطلق عليه "الوسائل غير السلمية" إذا ما أعلنت تايوان استقلالها، وهو موقف تمسكت به بكين منذ عام 1949. وهذا القانون مهد الطريق أمام التحسن الكبير في العلاقات بين بكين وتايبه الذي نشهده الآن. حان الوقت لليابان والأطراف الأخرى المعنية أن تدرك الخط الأحمر لبكين، وأن تعمل بكين وطوكيو وواشنطن معاً لنزع فتيل التوتر بين الصين واليابان.
ويمكن أن تلعب الولايات المتحدة دوراً مجدياً كمسهل للعملية في هذا الصدد، حيث إن واشنطن في النهاية لا تشارك موقف رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بشأن الحرب العالمية الثانية، والصين لا تعارض علناً الوجود العسكري الأميركي في اليابان، الذي ينظر إليه العديدون في بكين على أنه "شر لا بد منه" لكبح النزعة العسكرية المتنامية لليابان، لا سيما نزعة حصول اليابان على السلاح النووي.
