هل يهتم الروس بما يجري حالياً في أوكرانيا؟ إنه سؤال معقد. فقد أظهر مسح شامل أن 51% من الروس يعتبرون أنهم يشتركون مع الأوكرانيين في الجذور ذاتها، إلا أن استطلاعات الرأي التي أجريت حول التطورات الأخيرة الأوكرانية تحديداً، أظهرت افتقاراً مفاجئاً إلى اللحمة بين الشعبين.
وفي الواقع، قال 51% من الروس الذين شملهم الاستطلاع إنهم لا يأبهون بما يحصل في أوكرانيا، وإنهم يعتبرونه قضية داخلية، رافضين في الوقت ذاته التدخل في الشأن الأوكراني، باعتباره شأناً يعني الأوكرانيين وحدهم فحسب.
وعلى الرغم من أن الروس قد يبدون نوعاً من التضامن النظري مع أشقائهم «السلافيين»، فإن قسماً كبيراً منهم لا يزال يرفض إرسال المال إلى الأوكرانيين أو إعطاءهم غازاً بأسعار مخفضة.
تحسين مستوى المعيشة
وعلى الرغم من ذلك، فإن القضية الأوكرانية لا تدور حول منطقة النفوذ، فالأوكرانيون لا يثورون لكرههم جذورهم «السلافية»، وإنما لأن مستوى المعيشة غير مرضٍ. وفي هذا الشأن، هناك أمثلة واضحة حققت نجاحاً مشهوداً، فبولندا والجمهورية التشيكية وشرق ألمانيا وسلوفاكيا والمجر ودول أخرى كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي سابقاً، واستطاعت إيجاد مستويات معيشة مقبولة لمواطنيها.
ويطالب حالياً كل من مواطني أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدوفا وجورجيا بالشيء ذاته. والسبب وراء ذلك بسيط جداً، فمواطنو هذه الدول يرون أن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق قادرة على دفع أسعار الغاز المصدّر بمعدلات السوق، وعلى توفير مستويات معيشية أعلى بمرة أو مرتين من تلك الموجودة في أوكرانيا ومولدوفا.
والمتحمس للنظام الأوكراني هو وحده من قد لا يفهم هذه المعادلة البسيطة. إلا أن مواطني أوكرانيا ومولدوفا يفهمون الحال بسهولة. فالفرق في مستوى معيشة الدول المذكورة صارخ جداً.
إذاً ما استراتيجية القادة الذين، مع الأسف، يعرفون عدم قدرتهم على المنافسة دولياً وإقليمياً؟ يطلق هؤلاء القادة حملة برامج استخباراتية للتحقيق مع كل فرد يقول الحقيقة عن الفساد الممنهج والفشل الحكومي، وهم بذلك يحاولون عرقلة وتأخير عملية التغيير.
التغيير لا مفر منه
إلا أن التغيير أمر لا مفر منه، وبينما ترتفع مداخيل الأفراد وتزداد آفاق المواطنين اتساعاً، تزداد توقعات المواطنين من حكوماتهم في مجالات الرعاية الصحية والأمن والتعليم والبيئة والشفافية في تدفق المعلومات.
وإذا كان المواطنون فقراء، فلن يهتموا بما إذا كانت الطرقات العامة في حالة جيدة أم لا، وبمجرد شرائهم السيارة يبدأون بالاهتمام بالحفر فيها، وبالاختناقات المرورية، وبشرطة المرور الفاسدين.
وفي أول رد للحكومة في أحد الحوارات التي لم تعتدها بخصوص الحقوق المدنية، أوضحت «أن البلاد لم تشهد هذه الأحداث من قبل، وأنها لن تُحدث أي تغيير الآن». إلا أنهم مخطئون في ذلك، فالذي حدث في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 هو أحد الأمثلة على كيفية تغير مجريات الأحداث.
والانتخابات الديمقراطية قد تأتي بنتائج أخرى غير متوقعة. ولكن ما الذي تريده أوكرانيا فعلياً؟ هي لا تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي غداً. فالاتحاد ليس بالحريص فعلياً على ضم هذه الدول الراغبة في تغيير مستواها المعيشي، وأي عاقل يستطيع إدراك ذلك.
فالاتحاد الأوروبي لم يتوصل بعد إلى طريقة للتعامل مع اليونان وإسبانيا والبرتغال. وآخر ما يريده هو هدية جديدة من ماضي الاتحاد السوفييتي العظيم.
وتريد أوكرانيا اليوم شيئاً آخر، هو المعايير الأوروبية، من حقوق الإنسان واحترام الملكية الشخصية والإخلاص ومحاكم مستقلة وانتخابات نزيهة واقتصاد تنافسي وقادة يخضعون للمساءلة أمام الناخبين وحكومة خالية من الفساد.
ولكن هل ستغير إطاحة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الحال للأفضل؟ هذا احتمال غير مؤكد، إلا أن المتظاهرين من الذكاء بحيث يعولون على حل وسط، وسيجعلون أي خلف ليانكوفيتش أكثر قابلية للمساءلة والمراقبة، وهم لم يتجمدوا في الشوارع من أجل شخص بعينه، بل لتغيير النظام بشكل حقيقي.
صعود وهبوط
عندما باشر فيكتور يانوكوفيتش عمله في المكتب الرئاسي، أمر بسجن أهم معارضيه، وأطلق لنفسه العنان، وفي الوقت ذاته حاول وضع عراقيل أمام تركه للسلطة، لأن خسارته تعني ذهابه إلى السجن، وقد بالغ في تقدير سلطته، وقلل من قوة المعارضة.
