قد يكون أفضل وصف للحالة السياسية في تركيا هذه الأيام كلمة «اضطراب»، على الرغم من أن لا وجود لها في اللغة التركية. لكن هناك عبارات أخرى، عدد كبير منها يدل على «توتر» و»ذكورية» و»استقطاب»، وهذه جميعها تعاني منها الدولة التركية.

وتركيا مجرى للصراعات والتناقضات، يتغير المزاج السياسي فيها أسبوعيا، وأحيانا يوميا. ومع اقتراب الانتخابات المحلية والرئاسية والعامة، فإننا نعيش سنة الجدل المحتدم والمخاوف الساكنة.

ويحدق المواطنون عشرات المرات يوميا في المواقع الإلكترونية من أجل معرفة ما يجري، وخلال التصويت الذي أعطى الحكومة سيطرة اكبر على القضاء، فان أعضاء من البرلمان تبادلوا اللكمات، والأنف الملطخ بالدماء كان شهادة على الديمقراطية المجروحة.

ولا شيء يعكس العاصفة أفضل من انتشار نظريات المؤامرة أخيرا.

فقد كرر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان اتهامه للغرباء بأنهم وراء الاحتجاجات في حديقة جيزي الصيف الماضي، التي أسفرت عن مقتل ستة وجرح 8 آلاف شخص.

ولمح العديد من المسؤولين الحكوميين إلى أن قوى ظلامية كانت تعمل ما وراء الكواليس، واتهم مراسل تركي لهيئة الإذاعة البريطانية بالعلن انه عميل أجنبي، كما دعي المحتجون في ميدان تقسيم بالإرهابيين.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كانت هناك شائعات لا نهاية لها حول «الدولة العميقة داخل الدولة العميقة»، وتدريجيا، تتحول تركيا إلى دولة في قبضة جنون الخوف والارتياب.

وفي بلاد شهدت إضعافا في حرية التعبير وتقليصا في تنوع وسائل الإعلام، فان مواقع الإعلام الاجتماعي بات المنبر البديل الوحيد للتواصل والمعلومات والتضليل. ويهدد قانون للإنترنت جديد أقره البرلمان حرية الرأي، على الرغم من اعتراف الرئيس التركي عبدالله غول الذي قال انه سيوافق عليه، أن أجزاء منه مثيرة للإشكاليات.

إذا كانت أعمال الشغب في جيزي غذت نظريات المؤامرة، فان التحقيقات في الفساد الأخيرة نشرت اللهيب. ويتحدث مسؤولون حكوميون باستمرار عن مؤامرات أجنبية. ويقولون إن تركيا حققت الكثير والان جهات لاعبة خفية تريد وقفها من النمو. وتلك الاتهامات يتردد صداها لدى بعض شرائح المجتمع.

لماذا نحن بحاجة إلى ابتداع نظريات المؤامرة؟

جانب من الإجابة يعود في الواقع إلى أن الديمقراطية في تركيا لم تصل إلى مستوى النضوج وسياستها عدوانية وذكورية ومستقطبة. والاستقطاب في تركيا يؤثر على كل مستوى من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وعندما تكون الضوابط والتوازنات والفصل بين السلطات والتنوع الإعلامي في خطر، يصبح من في السلطة شديد القوة.

مخاوف قديمة

وجانب آخر من الإجابة يكمن في المخاوف القديمة التي تعود إلى نشأتنا. لقد ترعرعنا ونحن نعتقد أن تركيا محاطة من ثلاث جهات بالمياه، وعلى الجوانب الأربع بالأعداء.

اليونانيون يطمحون لاستعادة إسطنبول وجعلها القسطنطينية. العرب من منظور بعض الأتراك غير جديرين بالثقة. الروس يخططون للاستيلاء على البوسفور. الجميع يريد قطعة من الأناضول وأرضنا، والصديق الوحيد للتركي هو تركي آخر.

 

الخطاب المبتذل

كانت واحدة من نقاط قوة حزب العدالة والتنمية التركي سياسة خارجية "بصفر مشكلات مع الجيران"، لكن هذه السياسة لم تستمر.

وهذه الحكومة التي دعمها المثقفون الليبراليون على أمل انها ستدفع تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتقيد دور الجيش، وتسن الإصلاحات الديمقراطية، تحيى الآن الخطاب المبتذل عن المؤامرة. وعندما يتحدث رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، فإنه يخاطب اللاوعي في البلاد, ويتحدث إلى مخاوفنا البدائية وكراهية الأجانب.