تلقت الحكومة التركية ، على مدار العقد الماضي ، الكثير من الثناء لدمجها الناجح بين الإسلام والديمقراطية، إلا أن مواصلة أنقرة اليوم اعتمادها على تكتيكات المواجهة والترهيب تلقي بظلالها على المنجزات البارزة التي حققتها.
وبينما تحاول تركيا بناء نظام ما بعد الثورة، فإن من المفيد الاسترشاد بمثال ناجح لدولة عربية استطاعت تجنب الجمود السياسي، ألا وهي تونس. ففي عام 2011، أدت الاحتجاجات الإطاحة بالرئيس التونسي السابق زين الدين بن علي من منصبه، وانتشرت روح الثورة عقب ذلك إلى دول عربية أخرى، ولو بنتائج اقل حظا.
ووفي تونس لم تحد العملية الديمقراطية حديثة الولادة عن مسارها. ويعتبر الدستور الجديد لتونس أكثر المواثيق التي شهدتها الدول الاسلامية في الشرق الأوسط ليبرالية وديمقراطية، وأحد أكبر الانجازات حتى اليوم.
الدستور التونسي
واللافت للنظر في الدستور التونسي الذي تمت المصادقة عليه في 26 يناير الماضي مقولة "نحن الشعب"، بدلا من "أنا الدولة"، التي كانت سائدة منذ فترة طويلة. ويحمي الدستور الحريات المدنية، ويؤسس للفصل بين السلطات، ويضمن مساواة المرأة بالرجل في العمل بالهيئات السياسية.
ويعتبر هذا الدستور انجازا بارزا، لا سيما وأن الأمور كانت من الممكن أن تحيد بسهولة عن مسارها. وكأغلب الدول الأخرى في المنطقة تنقسم تونس بعمق بين التيارات العلمانية والدينية. وأقلق صعود حزب النهضة الإسلامي بعد الثورة العلمانيين بشكل خاص. وفي 12 مايو 2012، القى المتطرفون في جندوبا وسيدي بوزيد قنابل حارقة على المشارب والمحال التجارية وسرقوا الكحول منها. وأدت هذه الأعمال الاستفزازية إلى بث مخاوف من الانقلاب على التيار الاسلامي المنتخب في تونس.
المرونة السياسية
إلا أن التعقل ساد الموقف في تونس حتى الآن، وتمكن التونسيون من التوصل إلى الاجماع على الدستور. وأظهر حزب النهضة التونسي، المعروف بأنه أكثر الاحزاب العربية الاسلامية اعتدالا، قدرة عالية على التوصل إلى الحلول الوسط. وتراجع الحزب تحت قيادة راشد الغنوشي عن هدفه الرئيسي القاضي بتأسيس دولة تونس الاسلامية وانفاذ الشريعة الاسلامية فيها. ولم ينظر العلمانيون إلى هذا التنازل على أنه ضعف، كما لم يغتنموا الفرصة للهجوم على الاسلاميين، وانما رأوه عربون حسن نية. وأدى هذا الحس العالي للوحدة الوطنية إلى التوصل لكتابة الدستور الجديد.
لقد تابعت تدفق الاخبار الايجابية من تونس بإعجاب، إذا لم يكن بالحسد. ومن المفارقة أن تركيا بديمقراطيتها، التي يزيد عمرها عن الستين سنة، وباقتصادها المتصدر للمرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم من حيث قوته بحسب تقديرات عام 2012، واللذين يعتبران أقدم تأسيسا وأقوى منهما في تونس، أخفقت بمرارة في مهارات التوصل إلى الاجماع التي حققتها تونس. فالسياسة التركية مسممة برؤى القادة السياسيين الذين يعتبرون المساومة نوعا من الجبن. فتخاصم السياسيين الاتراك يتم باتهام أحدهم للآخر بارتكاب ما يسمونه "الخيانة العظمى"، وغالبا ما يفرطون في استعمال نظريات المؤامرة لنزع الشرعية عن خصومهم.
ثقافة
تعتبر تركيا اليوم دولة الاقتصاد النامي بسرعة، وتراجع اللامساواة، ودولة المشاركة السياسية المرتفعة. كما تعد أحدى أهم وجهات السياحة العالمية، فقد استثمرت تركيا بشكل كبير في البنية التحتية والمواصلات العامة. ولا تحتاج تركيا اليوم إلى متاجر كبيرة أو أبنية شاهقة أكثر من تلك التي تملكها. إلا أن جل ما تحتاجه وبشدة هو بناء ثقافة الحوار، والمساومة والقدرة على التغيير المرن، وتونس قد تكون المثل الأعلى للاسترشاد به.
