هل الرئيس الأفغاني حامد قرضاي مختل عقليا؟ من الجلي أنه صرح بالكثير من الأقوال الغريبة والتحريضية والمتناقضة. وانتقد خلال السنوات الماضية الولايات المتحدة، متسائلا عما إذا كان وجودها في أفغانستان قد حقق أي نتيجة إيجابية على الإطلاق، كما رفض التوقيع على اتفاقية أمنية بين واشنطن وكابول، عدا عن أنه وصف أعضاء حركة طالبان بأنهم إخوته. وكشفت صحيفة "نيو يورك تايمز"، أخيرا، عن أنه أجرى مفاوضات سرية معهم. فبماذا عساه كان يفكر؟
الرئاسة في أفغانستان
ربما كان قرضاي يتأمل ما حدث لأحد سابقيه، فلدى انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان عام 1989، بقي الرئيس الذي كان مدعوما من قبل السوفييت محمد نجيب الله في السلطة، إلا أن الحرب الأهلية اندلعت عقب أشهر معدودة فقط من الانسحاب، دافعة إياه لطلب اللجوء في مجمع للأمم المتحدة. وفي عام 1996، انطلقت حركة طالبان إلى كابول وألقت القبض على نجيب الله، متهمة إياه بأنه دمية بيد الأجانب، وأخصته، وسحلت جثته عبر الشوارع، منتهية بتعليقها على حاجز مروري، وبالتدابير ذاتها قتلوا شقيقه.
وكانت تلك السنة تكرارا شنيعا لوقت سابق من تاريخ أفغانستان، والذي يعرفه قرضاي حق المعرفة. وخلال غزو البريطانيين لأفغانستان أوائل القرن التاسع عشر، نصبوا "دمية محلية"، في الحكم يدعى شاه شجاع، والذي تم اغتياله عقب انسحابهم من أفغانستان. وفي الحقيقة، يشير المؤرخ وليام دالرمبل إلى أن قرضاي ينحدر من قبيلة شاه شجاع نفسها، وأن طالبان تنحدر من القبيلة ذاتها التي قضت على الأخير عام 1842.
وهناك الكثير من الفروق المهمة بين الماضي والحاضر، إلا أن قرضاي على الأغلب يتابع تطورات المشهد الجيوسياسي. فالولايات المتحدة تعبت من حربها الأطول على الإطلاق، وتجادل حاليا فقط في نطاق حجم القوة الصغيرة التي ستبقيها في أفغانستان، وذلك لأغراض التدريب في الغالب. بينما لا تزال طالبان تحكم قبضتها على مناطق رئيسية في البلاد. وذلك فيما تواصل باكستان دعم الطالبانيين، وهو الأمر المرشح توسعه مع انسحاب أميركا، حيث تسعى اسلام أباد إلى ملء ذلك الفراغ.
ومن المحتمل أن يكون قرضاي يلعب في مفاوضاته مع واشنطن لعبة سياسة حافة الهاوية، إلا أنه قد يكون أيضا يحاول قيادة أفغانستان ما بعد أميركا. وستبدو أفغانستان عام 2015 مختلفة جدا عما هي عليه اليوم، على الرغم من احتمال بقاء عدد كاف من القوات الأميركية في البلاد، واستمرار تدفق المنح الأميركية.
اقتصاد أفغانستان
تأمل في هذه الحقائق من كتاب مرموق سيصدر قريبا بعنوان "من جبهة حرب إلى واجهة متجر" ، للكاتب بول برينكلي، حيث يقول إنه في عام 2009، كان الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان شكليا، يصل إلى نحو 10 مليارات دولار أميركي، 60%، منه كان عبارة عن مساعدات أجنبية. وشكلت عوائد زراعة نبات الخشخاش وانتاج وتصدير الهروين الخام مجتمعة، والتي تتم بطريقة غير رسمية وسرية، ما نسبته 30%، من الناتج المحلي الإجمالي.
وهذا يبقي على نسبة 10%، فقط أي مليار دولار أميركي، للنشاط الاقتصادي المشروع والمستدام. وخلال العام ذاته أنفقت القوات العسكرية الأميركية 4 مليارات دولار خلال شهر واحد، لحماية بلد ناتجها الاقتصادي السنوي الحقيقي يصل إلى مليار دولار أميركي.
وأخبرني برينكلي أن "كابول هي رمز البلاد"، مضيفا "إنها مدينة أسست لتتسع لـ 500 ألف شخص، إلا أنها كبرت بحيث أصبحت تتسع ل 8 ملايين شخص، والذين انتقلوا إليها بسبب التدفق الهائل للمال الأجنبي العسكري واللاعسكري فيها، إلا أن معدلات ذلك المال ستتراجع بشكل كبير قريبا، لكن ماذا سيحدث وقتها؟"
وعمل برينكلي، الذي يتحدث في كتابه عن خبرته المثيرة، لصالح وزارة الدفاع الأميركية لبناء شركات في العراق وأفغانستان، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن المهمة الوحيدة الأهم لكل من أفغانستان وأميركا تمثلت في بناء اقتصاد مستدام بذاته، وهو ما لم تعره الولايات المتحدة إلا القليل من الاهتمام.
تداخل صعب
أوضح بول برينكلي قائلا إن "تركيزنا في العراق وافغانستان هو وضع السياسة على المسار الصحيح، وإجراء الانتخابات، وبالتالي فإن الاقتصاد سيتكيف ويبدأ بالتدفق بشكل طبيعي. إلا أن تلك في الحقيقة ليست طريقة بناء اقتصاد مستدام. فيتوجب علينا أولا إصلاح الاقتصاد، بخلق سوق اقتصادي مستدام، ومن ثم ستتحسن السياسة"، مشيرا إلى أن التجارة والأسواق في الغرب قادت إلى تحقيق الحرية الفردية والسياسية، وليس العكس.
ويضيف برينكلي في كتابه "تخيل الحياة في دولة تعتمد فيها حكومتك الوطنية بشكل كلي على المعونات الخيرية، هل كنت ستحترمها؟ هل كنت ستفترض أنها دمية في يد المانحين الدوليين، الذين يعيدون تشكيل الحكومة على هواهم؟"، وبالتالي يجب على حامد قرضاي التأمل جيدا في هذه الأسئلة بينما يخطط لهبة مجنونة جديدة.
