ابتليت تركيا، أخيراً، بحرب سياسية شاملة بين حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وعناصر معينة من داخل السلطة القضائية والشرطة، ولا يعرف أحد كيف ستنتهي، ولكن معناها واضح بالنسبة للديمقراطية المضطربة في تركيا، فهناك القليل من حكم القانون في أنقرة، "والعدالة" فريسة سهلة للسلطة.
وهذه مشكلة متجذرة في التاريخ. عندما أسس الزعيم التركي كمال أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة في عام 1923، رسم النظام القضائي بوصفه حامي "ثورته"، بدلاً من حامي حقوق المواطنين. "ومحاكم الاستقلال" ذات الدوافع السياسية قامت بإعدام وسجن عدد كبير من المعارضين. وسرعان مع استوردت تركيا قانون العقوبات من إيطاليا الفاشية.
وجنرالات تركيا من الصقور الذين أعلنوا أنفسهم "أوصياء" على ثورة أتاتورك، واصلوا بحماس هذا التقليد السيئ. عندما أطاحوا بعدنان مندريس، الزعيم الأكثر شعبية في تركيا في انقلاب عام 1960، أخضعوه لمحاكمة صورية. وعندما سأل مندريس في المحكمة عن السبب وراء عدم حصوله على محاكمة عادلة، كان جواب القاضي معبراً: "هكذا ارتأت السلطة التي وضعتك هنا".
المنطق القديم
وعلى مدى عقود، أدان المحافظون المتدينون في تركيا هذه "العدالة" العبثية، ولأسباب وجيهة، لأنهم كانوا في الغالب من ضحاياها. لكن عندما وصل المحافظون إلى السلطة بعد عام 2000، مع صعود حزب العدالة والتنمية التابع لأردوغان، لم يلغوا المنطق القديم، بل اعتمدوه لصالحهم. والآن العدالة أداة للثورة المضادة.
وأصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً خلال "قضايا الانقلاب" المختلفة في الفترة الممتدة من 2007-2011 التي أسفرت عن سجن المئات من ضباط الجيش وحلفائهم المدنيين المزعومين. وفي هذه القضايا، كانت هناك بالتأكيد بعض الشخصيات العسكرية مسؤولة عن عمليات القتل خارج نطاق القضاء أو محاولات الانقلاب المحتملة. لكن كثيراً من المشتبه بهم كانوا فقط "متهمين جنائياً" بالمعنى الأيديولوجي للكلمة.
في ذلك الوقت، كان المحافظون الذين يطاردون الانقلابين داخل السلطة القضائية مدعومين بكل إخلاص من قبل أردوغان، لكن العديد منهم انتمى إلى جمعية دينية معينة: أتباع فتح الله غولن.
وهذا التحالف بين أردوغان وغولن فاز في النهاية بالحرب ضد الحرس القديم من العسكر، لكنه لم يتمكن من الحفاظ على السلام في صفوفه. والتوتر السياسي المتنامي تحول إلى حرب سياسية مفتوحة في 17 ديسمبر الماضي، مع قضية فساد غير متوقعة شملت أربعة وزراء في حكومة أردوغان. ورئيس الوزراء سرعان ما قبل استقالة أولئك الوزراء، لكنه أدان أيضاً التحقيق باعتباره "محاولة انقلاب".
وفي غضون شهر واحد فقط، قام أردوغان بعملية تطهير واسعة داخل صفوف جهاز الشرطة، حيث أعاد تعيين 2500 ضابط واتخذ خطوات تجعل السلطة القضائية تابعة للسلطة التنفيذية.
وهناك أسباب وجيهة تدعو للاعتقاد بأن التحقيق بالفساد ضد الحكومة ذو دوافع سياسية. ففي النهاية، جاء مباشرة بعد انفجار الصراع بين حزب العدالة والتنمية وغولن، ويمكنه أن يؤثر على انتخابات محلية مهمة في مارس. لكن هل الدوافع السياسية للمدعي العام تنزع عن الأدلة قيمتها؟ إذا كان هذا الأمر صحيحاً، فلماذا لم تكن تلك القضية مطروحة خلال قضايا "الانقلاب" ضد الجيش؟
وقضايا الفساد التي أثارت الشعب التركي تكشف عميقاً عن مأساة العدالة التركية.
هيكلة القضاء
السبيل الوحيد للخروج من الأزمة في تركيا هو في إعادة هيكلة القضاء التركي لجعله مستقلاً وغير حزبي، يحمي حقوق المواطنين وحكم القانون. والأزمة الحالية من غير المرجح أن تسفر عن أي نتائج جيدة في وقت قريب، لكن إذا تمكنت من إقناع المزيد من الأتراك بأنهم بحاجة فعلاً إلى مثل هذا الحل الهيكلي طويل الأمد، فإن هذا سيكون خطوة مهمة إلى الأمام.
