في 28 يونيو 1914، مضت أجهزة التلغراف تبرق خبر الاغتيال الذي وقع في مدينة سراييفو لوريث العرش النمساوي. وبعد خمسة أسابيع اندلعت الحرب العالمية الأولى.
وفي الذكرى المئوية لهذه الكارثة نشرت دراسات عدة جديدة تحاول أن تجعل ما استعصى على الفهم في هذا الشأن مفهوماً، وهي تفصل القول في حسابات أولئك الذين كانوا في سدة السلطة في العواصم الأوروبية آنذاك، التنبؤات المندفعة بحملة عسكرية سريعة وإساءة التقدير من جانب كل الأطراف.
ويعد انهيار التوازن الهش في القوى في أوروبا في صيف 1914، قصة مثيرة للقلق، تدور حول إخفاق النخب الحاكمة والعسكريين والدبلوماسية أيضاً، وهذا الأمر لا يقتصر على تلك الأيام الحاسمة من يوليو 1914، فالعلاقات بين القوى القارية العظمى كانت قد بنيت على الرمال، قبل وقت طويل من سلسلة إساءة التقدير والتحرك العسكري الذي أعقبه.
كانت أوروبا في صدر القرن العشرين تعايش عولمة اقتصادية مبكرة، ولكن السياسة الخارجية افتقرت إلى كل من الإرادة والأدوات للتوصل إلى توازن سلمي للمصالح. وكان يسودها افتقار متبادل للثقة بشكل عميق، ولم تتردد دولها في الدخول في صدامات مع منافسيها على حساب الأطراف الأخرى.
ولم يؤد هذا قط إلى تطوير مؤسسات قادرة على تسوية النزاعات. وتكشف أرشيفات الأطراف المتصارعة بوضوح أن سوء الفهم وقصر النظر السياسي كانا سائدين، ولكن ذلك لم يقدم للألمان على الإطلاق أساساً للتقليل من شأن إخفاقات سياستهم الخارجية، خلال تلك الأسابيع الكارثية.
وفي برلين سادت شهوة التصعيد بدلاً من التهدئة والتفهم. ومن حسن الطالع إلى حد بعيد أن احتمال اندلاع حرب في قلب أوروبا قد أصبح أمراً لا يمكن تصوره، وبدلاً من التوازن الهش لتحالفات تتغير بصورة مستمرة، وفي أعقاب الجرائم التي ارتكبتها ضد الإنسانية في الحرب العالمية الثانية، فقد بني مجتمع أوروبي يقوم على القانون، ومن خلال الاتحاد الأوروبي تم التوصل إلى طريقة لحسم الخلافات بصورة سلمية.
وبدلاً من قانون القوي، فإن أوروبا تحكمها الآن قوة القانون. وبالنسبة للبعض، فإن متابعة الحلول الوسط حول موائد التفاوض في بروكسل هي مسألة مرهقة وممتدة، وهذا العام الذي نحتفل فيه بالذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، يذكرنا بأهمية أن نبقى على وعي بطبيعة الإنجاز الحضاري، المتمثل في أن دول الاتحاد الأوروبي التي كانت في وقت من الأوقات خصوماً في صراعات عدة، يمكنها الآن أن تمضي ليالي طويلة في السعي وراء حلول مشتركة بطريقة سلمية متحضرة.
إن فقدان الثقة في المشروع الأوروبي الذي صاحب الأزمة الاقتصادية في أوروبا والذي يبدو واضحاً بصفة خاصة في صفوف الجيل الشاب الذي تعرض للبطالة والافتقار للأمل في مناطق كثيرة من أوروبا - هذا الفقدان للثقة يشكل خطراً عظيماً. وفي هذا المناخ، فإن من السهل التراجع إلى خطاب قومي يتم ترديده بنغمة تحمل انتقاداً لأوروبا.
وفي ضوء تاريخ أوروبا، فإن المرء ينبغي أن يقاوم بشدة هذا الاتجاه، واليوم فإن النظام المهتز الخاص بتوازن القوى لا يزال بعيداً عن أن يتم التغلب عليه، في كثير من أرجاء العالم، فبعد ربع قرن من سقوط حائط برلين لا تزال مناطق الاضطراب عدة، والشرق الأوسط وأجزاء من إفريقيا تفتقر إلى بنية أمنية إقليمية ثابتة، وفي شرق آسيا تهدد الميول القومية والطموحات المتنافسة السلام والاستقرار في هذه المنطقة وما يليها.
لقد وضع اندلاع الحرب في 1914، نهاية للمرحلة الأولية من العولمة، وكانت ثقافات واقتصادات أوروبا متداخلة عن قرب للغاية، بحيث أنه في ذلك الوقت بدت الحرب مستحيلة ولاعقلانية وضد مصلحة كل البلدان، ولكن الحرب اندلعت مع ذلك.
واليوم، فإن عالمنا أكثر تواصلاً من أي وقت مضى، وهذا يتيح لفرص كثيرة، حيث يوجد ثروة وحريات جديدة، ومع ذلك فإن عالمنا معرض للخطر أيضاً، والسياسة الخارجية الحكيمة والمهارة الدبلوماسية أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى.
رؤية حكيمة
يعد تحقيق رؤية حكيمة ليس لمصالح المرء وحده، وإنما لمصالح جيرانه أيضاً، والتصرف بشكل مسؤول، والتفكير في العواقب أموراً مهمة لضمان السلامة. ويعتبر تجنب التبني السريع للمواقف، والسعي نحو مجال جديد للتوصل إلى الحلول الوسط، مبدأين أساسيين من مبادئ الدبلوماسية، ويقدم تاريخ 1914، رؤية واضحة لما يحدث عندما نتجاهلهما. هل كان يتعين أن تؤدي أزمة يوليو إلى كارثة؟
ربما لا، ومع ذلك فإن الخطاب الانفعالي يحاصر الشجاعة لمتابعة تحقيق التوازن بين المصالح. هل يمكننا أن نستبعد حدوث شيء مماثل اليوم؟ إن الرد يتوقف علينا فحسب، يتوقف على كوننا مسؤولين، كما يتوقف على الدروس التي نستوعبها من التاريخ.
