تُشكّل الأدلة على تجويع وتعذيب وقتل ما يصل إلى 11 ألف معتقل على يد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد حضيضاً جديداً صادماً، في الحرب الأهلية السورية الوحشية. ومصدر تلك الصور له دلالته إذ جاء عن طريق وكالة تدعم الثوار، ويجوز أن لا يتم اختبار الأدلة في المحكمة.
ومع ذلك، على حد تعبير ديزموند دي سيلفا، وهو أحد المدعين العامين الثلاثة في جرائم الحرب ممن تفحصوا المادة، فإن الـ 55 ألف صورة رقمية في ذاكرة التخزين المؤقت التي حصل عليها مصور كان يعمل للنظام سابقاً تشكل دليلاً ملموساً على "عمليات قتل على نطاق صناعي"، وتعتبر كافية لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق حكومة الأسد.
وقد تم كشف النقاب عن الصور عشية أول اجتماع جمع وجهاً لوجه الحكومة السورية مع المعارضة المسلحة، في أعقاب ما يقرب من ثلاث سنوات على الحرب تقريباً. والاستعدادات لما يسمى مفاوضات "جنيف 2" اتسمت بالتراجع عن المواقف السابقة، وحدة الخطاب، والأخطاء الجسيمة.
والمحادثات، المتأخرة ثمانية أشهر عن موعدها المحدد، أجبرت الأطراف على حضورها فقط تحت ضغوط كبيرة من الولايات المتحدة وروسيا. وأخيراً، كاد أن يُلغى الاجتماع، عندما هددت المعارضة السورية بالانسحاب، ما لم يجر إلغاء الدعوة التي وجهها الأمين العالم للأمم المتحدة بان كي مون إلى إيران في اللحظة الأخيرة. وقد تم هذا الأمر، وبدأت المحادثات بعد منع منزلق آخر في اللحظة الأخيرة.
التشاؤم الطاغي
لكن التشاؤم مع ذلك يعم الأجواء، وهناك فرصة ضئيلة لاتفاق الأطراف المتحاربة "بالتراضي" على هدفها الرئيسي المتمثل في رسم الخطوط العريضة لإيجاد هيئة حكم انتقالي تتمتع بسلطات تنفيذية كاملة. من جانب النظام، استبعد الأسد احتمال تقاسم السلطة، وقال إنه ينبغي أن يبقى تركيز المباحثات على "الحرب على الإرهاب"، وهو ملخصه كلام مستفز يختزل القتال ضد الثوار.
وفيما تحتفظ القوات الموالية للحكومة باليد الطولي في الحرب البرية، ومع رؤية عدد كبير في النظام بقاء الرئيس الأسد كمرادف لبقاء الدولة، فإن الأسد لديه القليل من الدوافع للتفاوض على خروجه من الحكم. والتهديد بمحاكمة جرائم الحرب لن يزيد من شهيته لتقديم التنازلات.
ومن جانبه، أعلن ائتلاف المعارضة السورية أنه لن يقبل بأي اتفاق يبقى فيه الأسد في السلطة. والائتلاف ليس في وضع يمكنه من تقديم تنازلات أيضاً. وهذه المظلة التي تنضوي تحتها بعض قوى المعارضة والتي تحظى بدعم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، عانت لفترة طويلة من أزمة الشرعية، بوصفها غير ممثلة للجماعات المسلحة على الأرض وقد أضعفتها المناورات السياسية الداخلية. وكانت قد حازت على تصويت بفارق ضئيل لحضور مباحثات السلام أصلاً، وأي تنازل تقدمه سوف يقضم المزيد من مصداقيتها المتضررة.
الخيار المفروض
وكلا الجانبين بالتالي متخندق في موقعه. لكن في ظل عدم وجود حل عسكري في المستقبل القريب، فإن المجتمع الدولي ليس لديه خيار يذكر إلا دفع الجانبين إلى المباحثات. وإذا كانت فرص حدوث انفراجة دبلوماسية في القضايا الرئيسية ضئيلة، إلا أنه يبقى هناك بعض المكاسب المهمة المأمولة من هذا المسار.
وأحدها يتمثل في استمرار الحوار بأمل توليد درجة من الثقة بين الأطراف. وفوز آخر يمكن أن يكون التزاماً مشتركاً لتخفيف معاناة الشعب السوري. ونتيجة ثالثة يمكن أن تكون التزاماً بتهدئة الأوضاع من جانب الجهات الراعية للصراع وحلفائها.
واستناداً إلى أحد المقربين سابقاً، والمنشقين حالياً عن الأسد، فإن محادثات "جنيف 2" هي بمثابة "الطفل اليتيم الذي لا يريده أحد"، وسبب إضافي في أن يفقد كل طرف من الأطراف بحضوره المؤتمر احترامه ومكانته في عيون جماعته. ومع ذلك، فهم ملزمون بالمباحثات، وحتى الآن هذا هو أمل سوريا الوحيد.
توقعات
إذا كانت فرص حدوث انفراجة دبلوماسية على القضايا الرئيسية ضئيلة، إلا أنه يبقى هناك بعض المكاسب المهمة المأمولة من هذا المسار. وأحدها يتمثل في استمرار الحوار بأمل توليد درجة من الثقة بين الأطراف: وقف لإطلاق النار حتى على المستوى المحلي يمكن أن يكون بمثابة إجراء لبناء الثقة للجولات المقبلة من المفاوضات.
وفوز آخر يمكن أن يكون التزاماً مشتركاً لتخفيف معاناة الشعب السوري، إما عن طريق الاتفاق على ممرات إنسانية للحصول على المساعدات أو عن طريق تخفيف أوضاع الحصار التي عملت على تجويع المدنيين، فمئات الألوف محاصرون في مناطق النزاع، بينهم الكثير من النساء والأطفال، وهؤلاء لا يتلقون مساعدات على الإطلاق، أو القليل منها.
ونتيجة ثالثة من جنيف- 2 يمكن أن تكون عبارة عن التزام بتهدئة الأوضاع من قبل الجهات الراعية للصراع وحلفائها. فالأزمة التي بدأت كحركة احتجاج شعبي ضد نظام الأسد، أصبحت إلى حد بعيد حرباً بالوكالة، أهم ضحاياها المدنيون السوريون.
