منذ وفاة وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، ووسائل الإعلام الإسرائيلية تتذمر من عدم وجود رد فعل فلسطيني رسمي، وعلى وجه الخصوص، من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس. لكن ماذا يتوقع الإسرائيليون أن تكون مشاعر أي فلسطيني نحو شارون؟ هل يفترض أن يحتفوا برعايته للعنف وسفك الدماء ضدهم على مدى تاريخه العسكري الطويل!؟ أو أن يمدحوا سياساته التوسعية الاستعمارية ضدهم خلال حياته السياسية الطويلة؟

ويعتقد كثيرون أن إصدار بيان كامل بتاريخ شارون العنيف والدموي أمر واجب، ولا يفترض أن يقل عما قامت به منظمة "هيومن رايتس ووتش" بإصدارها بيانا أعربت فيه عن الأسف لوفاته دون أن يواجه العدالة على جرائمه ضد الفلسطينيين.

وعداء شارون للفلسطينيين كان جامحاً، وقد استخدم الوسائل الأكثر عنفا ضدهم. وطوال حياته المهنية، لم يتخذ خطوة إيجابية واحدة نحو التوصل إلى تسوية سياسية معهم في سبيل إحلال السلام، وكان الدافع وراء كل سياساته إجبارهم على الاستسلام.

ومسار شارون العنيف لم يكن منفصلا عن معتقداته الأيديولوجية، بل كان تجليا لها. لم يؤمن يوما حقا بتحقيق السلام، وإنما بفرض روايته الخاصة عن السلام. وقد عارض معاهدة السلام مع مصر عام 1979، والتراجع الإسرائيلي من لبنان في عام 1985، واتفاقات أوسلو لعام 1993. وامتنع عن التصويت على السلام مع الأردن في عام 1994، وعارض اتفاق الخليل في عام 1997، الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000. وكان على الدوام متطرفا في أيديولوجيته وأفعاله طوال حياته.

ولم تتغير أيديولوجية شارون ولا قناعاته عندما قام بسحب الجيش الإسرائيلي من غزة، وفكك المستوطنات هناك في عام 2005، بل ما تغير تكتيكاته فقط.

أراد شارون دولة يهودية خالصة عرقيا من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، وكان يؤرقه احتمال وجود أغلبية سكانية فلسطينية. ولقد شجع دوما على إنشاء مستوطنات إسرائيلية، وحفز على استشراء النزعة الاستعمارية الاستيطانية في القدس والضفة الغربية.

تعديل في الخطة

في ظل عجزه عن طرد الفلسطينيين، بدأ شارون خطته في "نقلهم" داخليا من خلال بناء جدار الفصل في عام 2002 الذي ابتلع ما يوازي 11% من مساحة أراضي الضفة الغربية تقريبا، وقام بتكثيف الاستيطان في القدس والضفة الغربية.

وعندما قرر شارون الانسحاب من غزة كان قادرا على الاحتفاظ بالسيطرة الإسرائيلية المطلقة على الحدود البرية والجوية والبحرية لقطاع غزة، وفي الوقت نفسه التخلي عن مسؤولية ما يشكل ثلث السكان الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي المحتلة، وكل ما كان مطلوبا منه هو إزالة 8 آلاف مستوطن من قطاع غزة.

وهدفه لم يكن يوما الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، بل على القدس والضفة الغربية. وضم في نهاية المطاف أكبر قدر ممكن من الأراضي إلى إسرائيل. وقد أتت سياساته ورؤيته ثمارها. فالمطالب الإسرائيلية الحالية في المفاوضات تشير إلى أن إجمالي الأراضي التي تعلن إسرائيل استعدادها لتسليمها للفلسطينيين لا تزيد كثيرا عما كان يتصوره شارون منذ سنوات عدة.

كان شارون عقبة رئيسية في طريق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد عانى الفلسطينيون الأمرين من العنف الذي سلطه عليهم. لكن على الرغم من كل بطشه بهم، لم يستطع أن يعطي إسرائيل الأمن والهدوء والسلام، إنما نجح في تحويل حل الدولتين إلى سحابة من غبار. المشروع المدلل

 

كان مشروع شارون المدلل الآخر مفهوم "الترانسفير" أي إعادة توطين الفلسطينيين خارج فلسطين. لكن بعد أن داهمته اتفاقات أوسلو في عام 1993 ومعاهدة السلام مع الأردن في عام 1994، كان على شارون تعديل خطته. وأصبح هاجسه تأمين نهب أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، وضغط الفلسطينيين في أصغر كانتونات ممكنة، وتقليص وضعهم القانوني مع الحفاظ على غالبية يهودية.