بعد أشهر معدودة من إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن وجهة نظره بشأن مغادرة الأميركيين العراق و"رؤوسهم مرفوعة"، أعلن نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، أنتوني جي بلينكن، أن: "العراق اليوم أقل عنفا وأكثر ديمقراطية وازدهارا من أي وقت مضى في التاريخ الحديث".
ومسلحا بهذه النظرة الوردية للتاريخ "الحديث"، ضاعف بلينكن الرهان عن المستقبل المشرق للعراق في يوليو 2012. لكن عمليا، اختفى العراق عن الخريطة ما أن غادرت أميركا، مخلفة وراءها الغضب الذي اطلقته بفعل نزوة وتصرف غير قانوني في وجه الشعب العراقي.
والعراق الآن عاد إلى العناوين، وكما هي الحال منذ الغزو في عام 2003، هناك قدر كبير من الحداد في بلاد الرافدين. وكما هي الحال منذ أن توقفت إمكانية تبرير مطاردة أسلحة الدمار الشامل، تبقى قصة العراق مدفونة تحت غطاء من الإنكار حول مسؤولية أميركا تجاه دولة ذات سيادة تم غزوها بحجج واهية، والإطاحة بحكومتها، وتدمير بناها التحتية، وقتل شعبها بأرقام لم يتم جدولتها بدقة بعد.
اعتذار وتعويضات
والأسماء مألوفة، وهي الفلوجة الرمادي ومحافظة الأنبار، والمألوف أيضا غياب الرغبة في التعامل مباشرة مع واقع أن جرائم خطيرة ارتكبت، ولم تجر أي محاولة لمصالحة الولايات المتحدة والعراق، ولم يقدم اعتذار رسمي، ولم يحاسب أي من صناع القرار، ولم تدفع أية تعويضات للشعب العراقي.
وبعد تولي أوباما منصب الرئاسة، رفض فكرة المساءلة وأعلن بسرعة أنه يريد من إدارته "التطلع للأمام بدلا من النظر إلى الوراء".
وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإخبارية، أخيرا، كانت تصرخ معلنة استيلاء القاعدة على الفلوجة والرمادي، فإن قراءة متفــحصة تكشف عن أن القاعدة هي "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" أي أنها مجموعة "على ارتــباط بالقـــاعدة"، مجرد علامة تجارية دون دليل ملموس على ارتباط مباشر بتنظيم الـــقاعدة لأسامة بن لادن.
ربما رغبة المتمردين في جميع أنحاء المنطقة في تبني اسم "القاعدة" يشكل انعكاسا أو رد فعل لسياسات أميركا العسكرية الخرقاء أكثر منه دليل عن "عودة" تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن. لكن تلك الفروق الدقيقة تضيع عند وسائل الإعلام الأميركية التي تفضل التركيز على الم وحسرة قدامى المحاربين من الجيش الأميركي، الذين يشعرون بـ "لدغة" خسارة الفلوجة والرمادي لصالح تنــظيم القاعدة، فيما يوجه القليل من الاهتمام، إذا كان هناك أي اهتمام، للعراقيين الملدوغين مرارا.
الآن ترسل الحكومة الأميركية طائرات موجهة عن بعد وصواريخ لمساعدة العراق في محاربة امــتدادات القاعدة والجهاديين، لكنها لن ترسل اعتذارا، أو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحــدث فرقا للعراقيين، وهي التعويضات.
والحرب على العراق تستلزم محاسبة شاملة تماما كما الحروب غير المشروعة الأخرى. وبالاستناد إلى السوابق الموضــوعة خلال حروب القرن العشرين، وتماما كما تم التعـــويض على غزو للكويت غير المـــشروع، فإن هـــناك عشرات من مليارات الدولارات مستــحقة للشعب العراقي. وهذا تذكير بتحقيق العدالة مهما تأخر الوقت.
سجال
قال أنتوني بلينكن :»إن الحكمة من الذهاب إلى الحرب في العراق سوف تكون موضوع سجال لسنوات، ومن الأفضل أن تترك للمؤرخين». والأميركيون يعلمون بشأن التاريخ قدر علمهم بالجغرافيا. في مايو 2013، كان بإمكان 58% من الذين ادلوا برأيهم في استطلاع، تحديد موقع بنغازي في ليبيا.
لكن عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الحقيقة وعواقب الأعمال العسكرية في الخارج يمكن إيجاد حالة من الإنكار في كل أنحاء خريطة الشرق الأوسط.
