قلما يكون هناك مؤتمر يحقق السلام على الفور، لكن قليلة هي المؤتمرات التي أثارت هذا القدر اليسير من التفاؤل، كمؤتمر مونترو بسويسرا لمناقشة سوريا. وكما قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، فإن "هناك قدراً كبيراً من الشك" حول إمكانية إحراز تقدم.
وإذا كان السلام أمراً بعيد المنال، فإنه ينبغي على المؤتمر، في الحد الأدنى، استعادة المعايير الإنسانية الأساسية في خوض الحرب، وهذا يعني معالجة الوضع البائس للمدنيين السوريين المحاصرين بسبب القتال دونما طعام ورعاية صحية وتعليم أو أمل.
وغالباً ما توصف المشكلة باعتبارها مشكلة وصول هيئات المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين. لكن هذا يوازي القول إن شخصاً يجري خنقه يعاني من نقص في الحصول على هواء. فالقضية أكبر من ذلك، والشعب السوري يواجه حصاراً، وهو يعيش تحت الحصار.
وقد نزح أكثر من 9 ملايين شخص من ديارهم، وتعرض ثلث المساكن في البلاد إلى التلف أو الخراب، ودمرت الخدمات العامة. واعتباراً من الشهر الماضي، سويت حوالي 40 % من المستشفيات السورية بالأرض، فيما تعرض 20 % منها لضرر شديد، كما اضطر مليونا طفل للبقاء خارج المدرسة خلال السنة الماضية.
خطط عملية
وهذه القضايا ينبغي معالجتها في مونترو، مع خطط عملية للتنفيذ والمساءلة.
أولاً، الالتزام بالقانون الدولي الإنساني الذي يحكم النزاعات المسلحة كشرط، وليس كخيار، أمام كل من الحكومة السورية والثوار. واستهداف المدنيين والمرافق الطبية وعمال الإغاثة غير قانوني، ويحتاج إلى مواجهة من قبل مناصري كلا الجانبين.
ثانياً، البيان الرئاسي القوي لمجلس الأمن في 2 أكتوبر الماضي، يفصل القول في مسؤولية كل الأطراف، بما يسمح بتدفق المعونات والمساعدة الطبية. لكن هذا الواجب لم يحترم، ما شكل استهزاء بالأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها. وجميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بما في ذلك روسيا والصين، دعموا بيان الأمم المتحدة. فإذا تم تجاهله، يفترض دفعهم لدعم قرار دولي ملزم بالاتجاه نفسه.
ثالثاً، هناك حاجة لبند خاص يتعلق بالوصول إلى المجتمعات المحاصرة، وينبغي على أطراف النزاع تعيين مندوبين مخولين للتفاوض على مرور المساعدات والمدنيين عبر خطوط النزاع.
من أفغانستان إلى السودان، هناك تجربة في التفاوض وتقديم المساعدات الإنسانية أثناء الحروب الأهلية. ولدى الأمم المتحدة مجموعة رفيعة المستوى، مكونة من الدول الأعضاء، وتعمل تحت إشراف "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية"، ويفترض أن يكون محط تركيزها ضمان وصول الإغاثة للجياع والخائفين.
اختبار التقدم
رابعاً، مصير حلب يحتاج إلى أن يكون اختباراً للتقدم، وحلب هي المدينة السورية الأكبر من حيث عدد السكان بحوالي مليوني نسمة محشورين داخلها. وهي الآن مدينة مقسمة، وبالتالي، موطن لخطوط نزاع يفترض بها اختبار إنسانية كلا الجانبين. وحلب بالنسبة لسوريا كسراييفو بالنسبة للبوسنة.
إذا كانت سوريا ستستعيد هدوءها وجمالها في أي وقت، فإنه ينبغي حفظ هذه المدينة من الانزلاق إلى الجحيم.
وإذا لم يحدث أي من هذا، فإن الثمن سيكون مرتفعاً جداً. وسيجري دفعه من قبل الشعب السوري، على شكل أمراض وموت ودمار مستشرٍ. وسيدفع من قبل المنطقة، من خلال انتشار مزيد من اللاجئين إلى بلدان تتناقص إمكاناتها عن مجاراة هذه الزيادة، كما سيدفع من قبل العالم على نطاق أوسع من خلال نمو التطرف السام الهدام.
ومن السهل الكلام عن "تعب المانحين"، وحالات الطوارئ المعقدة، وعدم وجود خيارات جيدة. لكن هذا لا يشكل عذراً للعودة إلى العصور المظلمة في قلب الشرق الأوسط.
أسباب
لدى الأمم المتحدة أفضل التقديرات بشأن الاحتياجات الماسة للسكان، وتفيد تقديراتها أن ربع مليون مدني يعيشون في حالة انقطاع تام في المناطق المحاصرة في حمص وحلب ودمشق الكبرى، كما أن 2.5 مليون شخص موجودون في مناطق "من الصعب الوصول إليها" مثل الحسكة.
وليس من الصعب فهم السبب وراء صعوبة الوصول إلى الناس.
وتقارير يومية تظهر كيف تستخدم القوات الحكومية الحصار كسلاح، وكيف تتقاتل مجموعات الثوار الواحدة ضد الأخرى، فيما المدنيون محاصرون في الوسط. وفي الواقع، ضاعت فكرة المدني، أي غير المقاتل، فيما يطلق القناصة النار على النساء، ويجري استهداف الأطباء وقصف الضواحي.
وقد ساعدت اللجنة الدولية للإنقاذ في إمكانية وصول الرعاية الطبية إلى ما يقرب من مليون سوري أثناء النزاع، غير أن الناس يحرقون الملابس للبقاء دافئين. ورجال الدين يصدرون فتاوى بشأن تناول لحم القطط والكلاب، ويتفشى مرض شلل الأطفال.
