لا ينبغي أن يشكل التضارب في استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما إزاء أفغانستان، والموصوف في مذكرات وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، أمراً مفاجئاً. ففي النهاية، عندما ذهب أوباما إلى كلية "وست بوينت" في عام 2009 للإعلان عن خطة زيادة عدد القوات في أفغانستان، أعلن أيضاً عن موعد انسحابها، بغض النظر عن إنجازها للمهمة من عدمه.

وما رآه غيتس تضارباً، كان في الواقع بداية لتحول في السياسة الخارجية، كان لا يزال يتبلور عندما تقاعد غيتس في عام 2011.

وقد تطور الرئيس الأميركي من شخص كان ينظر إليه كزعيم دولي ملهم، وربما كان يتوقع من نفسه أن يكون كذلك، إلى رئيس لديه ربما السياسة الأقل مثالية من أي رئيس آخر منذ عقود.

التحول الكبير

وعندما تحدث إلى حشد واسع في برلين كمرشح للرئاسة في عام 2008، قال: "لا يمكن أن تتحول أميركا إلى الداخل، هذه هي اللحظة التي يجب علينا أن نساعد في الرد على الدعوة لفجر جديد في الشرق الأوسط..".

وبعد ذلك بخمس سنوات، كان أوباما يعلن بصراحة أن تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يكن "مصلحة أساسية" للولايات المتحدة. لكنه لم يصبح انعزالياً، استمر في السعي وراء صفقات تجارية طموحة مع آسيا وأوروبا واتفاق نووي مع إيران، وشن حرب الطائرات الموجهة عن بعد ضد الإرهابيين، لكنه فضل ما أسماه "بناء الأمة في الداخل".

ومثلت خطة زيادة عدد القوات في أفغانستان ذروة تلك النظرة إلى العالم التي تحدث عنها أوباما في برلين. وإعمال الفكر مجدداً بتلك الرؤية من قبله يمكن رؤيته في كيفية تحدث أوباما عن المهمة الأفغانية منذ ذلك الحي: دائماً تقريباً بمقاييس حماية الولايات المتحدة من تنظيم القاعدة، ونادراً بمقاييس تعزيز الديمقراطية أو حماية المرأة الأفغانية. وبلا شك، ساعد الانهيار الاقتصادي الذي ورثه أوباما وسأم الأميركيين من التعقيدات الخارجية في تفسير انقباض رؤيته. كذلك خيبات الأمل في السياسة الخارجية أثناء ولايته الأولى.

ثلاثة أفكار

وقد جاء أوباما إلى الرئاسة وبجعبته ثلاث أفكار كبيرة، لم يتحقق أي منها على أرض الواقع بشكل كامل.

الأولى، أن سلفه قد ازدرى الدبلوماسية، وأنه من خلال الانخراط بعقلانية وبشكل مقنع مع الخصوم، يمكن لأوباما أن يحرز مزيداً من التقدم. لكن رهانه على الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ساء، عندما تبين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتنازل يوماً عن السلطة فعلاً.

وزعيم الصين لم يعره اهتماماً في قمة المناخ في كوبنهاغن، وغيرها من خيبات الأمل التي حدت من نطاق فكرته الكبيرة الثانية، والتي كانت في منع الانتشار النووي، وتحقيق عالم خال من الأسلحة النووية، على الرغم من أن المباحثات مع إيران تبقى نقطة مضيئة محتملة.

والطموح الثالث لأوباما كان في "التمحور" حول آسيا، لكن الاضطرابات في العالم العربي، والتهديد المتواصل من تنظيم القاعدة، والتخفيض في ميزانية الدفاع، اجتمعت لتحد من نطاق أي تحول.

وأخذاً في الاعتبار أن أوباما دخل المكتب الرئاسي مع قليل من الخبرة في السياسة الخارجية، فليس من المستغرب أن تشكل تلك الأحداث تصوراته.

 

توقعات

تحول الرئيس الأميركي من المثالية إلى ما يراه نزعة براغماتية، قد يبرهن على أنه تصور لا واقعي. ومع العنف والبؤس الذي يصل من سوريا والعراق ولبنان وغيرها، فإن الولايات المتحدة على الأرجح أن تجبر على الانخراط مجدداً، وبناء على شروط أقل مواتية مما كان يمكن أن تجدها منذ سنتين أو ثلاث. ومرشحو الرئاسة في عام 2016 قد يجدون أنفسهم يعيدون صياغة كلام باراك أوباما البليغ نفسه بعبارات أخرى في عام