كانت الحياة المهنية الطويلة والمتقلبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، الذي توفي أخيراً بعد ثماني سنوات أمضاها في غيبوبة، تدور إلى حد كبير حول قضية واحدة، وهي الصراع بين إسرائيل وجيرانها العرب. وكان شارون قومياً يهودياً متعصباً، ومتعنتاً متشدداً، وأحد صقور اليمين الشرسين. ولطالما أظهر بشكل متسق تفضيله للقوة على الدبلوماسية في التعامل مع العرب، عاكساً القول المأثور الشهير لـ "كارل فون كلاوزفيتز" في تعامله مع الدبلوماسية كامتداد للحرب بوسائل أخرى.

وشارون كان أساساً آلة حرب، وبالنسبة للفلسطينيين مثل الوجه العسكري والبارد والقاسي للاحتلال الصهيوني.

في عام 1953، ارتكب ميجور شارون أول جريمة حرب له، وهي مجزرة بحق 69 مدنياً في قرية قبية بوادي الأردن. وفي عام 1982، قاد بوصفه وزير الحرب الإسرائيلي غزو إسرائيل للبنان في حرب خداع فشلت في تحقيق أي من أهدافها الجيوسياسية الكبيرة. ولجنة التحقيق الإسرائيلية وجدت أن مسؤولية شارون تكمن في فشله في منع المجزرة التي اقترفتها الكتائب اللبنانية المسيحية بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت. وهذا الحكم كان محفوراً على جبهته مثل علامة قابيل. فمن الذي توقع أن يعود الرجل الذي أعلن بأنه لا يصلح أن يكون وزيراً للحرب رئيساً للوزراء؟

نصير العنف

خلال حملة الانتخابات عام 2001، حاول شارون إعادة ابتكار نفسه كـ "رجل سلام". وخبراء المراوغة في العلاقات العامة زرعوا فكرة أن الشيخوخة صاحبها تحول في شخصيته من جندي دموي إلى ساع حقيقي للسلام. والرئيس الأميركي السابق جورج بوش وصف شارون بأنه "رجل السلام". لكن على مدى الأربعين عاماً الأخيرة، لم تكن هناك ذرة من الأدلة تدعم هذا الرأي. كان شارون رجل حرب بالكامل، كارهاً للعرب، ومؤيداً مشاكساً لمبدأ الصراع الدائم. وبعد صعوده إلى سدة السلطة، بقي كما كان دائماً، نصير الحلول العنيفة.

ولهذا السبب رفض أيضاً كل الخطط الدولية الرامية إلى حل الدولتين. وإحداها كانت مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي عرضت على إسرائيل السلام والتطبيع مع 22 دولة عضو في الجامعة العربية، في مقابل الموافقة على قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية. والأخرى في عام 2003 في خريطة الطريق للجنة الرباعية، التي تنص على قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل بنهاية عام 2005.

وشارون كان ذا نزعة أحادية الجانب بامتياز. كان هدفه في النهاية إعادة رسم حدود إسرائيل من جانب واحد، لتشمل مساحات واسعة من الأراضي المحتلة. المرحلة الأولى كانت تقضي بناء جدار الفصل العنصري على الضفة الغربية، ومحكمة الجنايات الدولية أدانت الجدار، باعتباره غير قانوني، وهو أطول ثلاث مرات من حدود ما قبل عام 1967، وهدفه الأساسي ليس الأمن، وإنما الاستيلاء على الأراضي.

أما المرحلة الثانية، فقد تألفت من فك الارتباط مع غزة من جانب واحد في أغسطس 2005، مع اقتلاع 8 آلاف يهودي وتفكيك مستوطنات.

وجرى تقديم هذا الانسحاب من غزة كمساهمة في خريطة الطريق للجنة الرباعية، لكنه لم يكن شيئاً من هذا القبيل. فخريطة الطريق دعت إلى إجراء مفاوضات، وشارون رفض التفاوض. وخطوته الأحادية الجانب كان الهدف منها تجميد العملية السياسية، وبالتالي، منع تأسيس دولة فلسطينية، والحفاظ على الوضع الراهن الجيوسياسي في الضفة الغربية.

والمصطلح القانوني "الانحراف اللامبالي" يشير إلى سلوك وحشي، قاسٍ منعدم الشعور، متهور، تنقصه الاعتبارات الأخلاقية، ولا يقيم وزناً لأرواح الآخرين، ومذموم إلى حد أنه تقع عليه المسؤولية الجنائية. وقد جسد شارون هذا النوع من عدم المبالاة في مقاربته للفلسطينيين.

وإرثه الدائم كان في تمكين وتشجيع بعض من العناصر الأكثر عنصرية، وكرهاً للأجانب، وتوسعية، وتعنتاً في النظام السياسي المختل لإسرائيل.

 

كاره السلام

كان الشغل الشاغل لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون عند توليه رئاسة الوزراء، "الحرب" ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة، وخلال الفترة 2001 و2006، لم تجر أي مفاوضات سلام مع السلطة الفلسطينية، واعتبر شارون هذا الأمر مدعاة للفخر بالنسبة له، ونظراً لطريقته في التفكير، تتضمن المفاوضات بالضرورة حلول وسطية، وهو بالتالي تجنبها كأنها الطاعون.