أعطت سلسلة الغارات، التي نفذتها الشرطة في تركيا أخيراً، العالم لمحة خاطفة عن الآليات الغامضة التي تعمل داخل النخبة الحاكمة في البلاد، وأزاحت الستار عن مشاهد مذهلة من الرشوة والكسب غير المشروع.

واتهامات الفساد في هرم السلطة تهدد بالإطاحة بإنجازات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في انتزاع السياسة التركية من يد العسكر، والإشراف على فترة طويلة من النمو الاقتصادي. لقد قاد أردوغان شعبه خارج صنف من العبودية، لكنه يبدو غير قادر على إيصاله إلى الأرض الموعودة للحكومة الشفافة، حيث يحكم الناس بتوافق الآراء بدلاً من البلطجة والتهديدات.

وأردوغان، الذي لا يعرف كيفية اللعب من موقع الدفاع، خاطب، أخيراً، تجمعاً تلو آخر، موجهاً اللوم إلى "الجهات الدولية" و"التحالفات الظلامية"، التي قال إنها تحاول تقويض هيبة تركيا. والصحف المرتبطة بحكومته اتهمت إسرائيل والولايات المتحدة.

وبينما تحاول الحكومة إخراس المعارضة، فإنها لم تفعل إلا القليل لاستعادة مصداقيتها. لم يجر استهداف الوزراء المفضوح أمرهم أولاً، بل الضباط المشاركين في التحقيقات الذين فقدوا وظائفهم، حيث أفيد عن خسارة 400 ضابط مناصبهم أو إعادة تعيينهم.

 وعلى سبيل وقف تواصل التسريبات المحرجة، منع وزير الداخلية الصحافيين من دخول مراكز الشرطة، وتم تغيير الإجراءات، بحيث لا يسمح لرجال الشرطة بمساعدة النيابة العامة دون إبلاغ رؤسائهم أولاً، حتى لو كان هؤلاء الرؤساء المتهمين.

والكلام أن السلطة المطلقة تفسد كلياً يروي جانباً من القصة التركية. فالفساد والجشع المؤسس في الدولة يمكن أن يصبحا محركاً قوياً يدفع الحكومة فوق حافة النزعة المطلقة، وهذا يحدث لحكومة جاءت إلى السلطة منذ 11 عاماً، واعدة أن تكون الأداة الجديدة لحملة تنظيف شاملة للسياسة التركية.

بعض المحللين يعتقدون أن حزب أردوغان، حزب العدالة والتنمية، سوف يخسر بضع نقاط مئوية في الانتخابات المحلية على مستوى الدولة في مارس المقبل، إلا أن موقفه قوي جداً إلى حد أنه سيمسك بمقاليد السلطة.

لكن هذا يفترض أن حزب العدالة والتنمية قد تمكن من إغلاق السد تماماً. والحكومة اعتادت تسديد ضربات قوية ضد العلمانيين الراديكاليين، لكنها لم تعتد التعامل مع موجات معارضة ضمن معسكرها.