تتهاوى الحكومات في تركيا إما من جراء فسادها المستشري أو بسبب إقصاء الجنرالات لها أو نتيجة للسببين معا. وفي عام 2002 صوت الناخبون بعد أن ضاقوا ذرعا بطمع وحماقة الأحزاب العلمانية لرجب طيب أردوغان رئيسا للوزراء، دافعين بحزبه الإسلامي المعتدل حزب "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم. وبعد مرور عقد من الزمان على مزاولة الحزب الذي يعني أسمه بالتركية "أبيض"، أو "نقي"، للحكم برهن على أنه ليس بتلك الاستثنائية ووجد نفسه غارقا في إحدى أكبر فضائح الكسب غير المشروع في التاريخ الحديث.

تهم فساد

وفي 17 ديسمبر الماضي، ألقت الشرطة القبض على نحو 50 شخصا للاشتباه في تزويرهم لعطاءات، والتستر على عمليات تهريب ذهب لإيران، وتقاضيهم للرشى. وتضمنت الاعتقالات أبناء ثلاثة وزراء، ورئيس بلدية ينتمي للحزب، والمدير العام لثاني أكبر بنك مقرض في تركيا "هالك بانك"، والذي عثرت فيه الشرطة المحلية على نحو 4.5 ملايين دولار أميركي تم دسها في صناديق للأحذية. واقترب التحقيق من أردوغان، وذلك عندما أمر المدعون العامون بشن حملة ثانية للقبض على ابنه بتهمة الكسب غير المشروع عبر صفقات عقارية مشبوهة.

من جهته رد أردوغان بإقالة مئات من رؤساء أقسام في الشرطة، فضلاً عن المدعي العام المتورط في التحقيق وأعاد صياغة قوانين معينة بشكل يسمح للحكومة بإيقاف التحقيق مع وزرائها بتهم الفساد. وفي ظل وقوف الشعب على الحياد، بفضل سلطة أردوغان المتزايدة، فإنه لا شيء من هذا كله يدعو للاطمئنان.

تغيير وزاري

التعديل الوزاري الذي شهد إقالة الوزراء الذين سجن أولادهم إلى جانب إقالة إيغمان باغيس وزير الشؤون الأوروبية الذي تورط في الفضيحة أيضا لم يخمد الغضب الشعبي العارم. وفي غضون هذه الأحداث تزعزعت الثقة في سوق المال التركي المعتمد أساسيا على تدفق الأموال. كما هوى سعر الليرة التركية 5%، مقابل الدولار الأميركي، وفقد سوق اسطنبول للأوراق المالية 10%، من قيمته.

وفي 31 من ديسمبر الماضي، استقال عضو البرلمان المنتمي لحزب العدالة والتنمية حسان حرامي يلديرم من منصبه، احتجاحا على ما أسماه إهانة أردوغان لفتح الله غولن ، الشيخ ذي المكانة الرفيعة في تركيا، والذي يدير امبراطورية شاملة تضم مدارس ووسائل إعلام وجمعيات خيرية من بنسلفانيا بالولايات المتحدة. الأمر الذي رفع عدد الذين غادروا الحزب جراء الحرب الضروس هذه إلى سبعة أشخاص. على الرغم من أن الحال لا توحي بانقسام كامل في الحزب.

وجدد أردوغان الذي يبدو يائسا إلقاءه للخطب المطولة عن "نظرية المؤامرة"، التي تقودها أميركا وإسرائيل، واللتان ألقى عليهما اللوم في يونيو الماضي لدى اندلاع المظاهرات ضد حكومته. ويزعم أردوغان أن هذه القوى ومنسقيها المحليين من نادي الإسلاميين الذي يقوده غولن هم من أعدوا له تهم الفساد الأخيرة. وتشير شكوك إلى أن الكثير من المدعيين العامين يدينون بالولاء لفتح الله غولن وبالتالي قد يكونون تحفزوا على الانتقام من أردوغان. وبتسميتهم بالدولة الموازية عمل أردوغان على تطهير مؤسسات الدولة من أتباع غولن . وهدد أردوغان بالتخلص من آلاف المدارس المملوكة لغولن والمعروفة بالتركية بمسمى "هزمت".

جوهر الأزمة

الأمر المثير للسخرية هو أن "هزمت"، وحزب العدالة والتنمية كانا حتى وقت قريب متحدين في الحرب ضد جنرالات تركيا. ويتردد بشكل واسع أن المدعين العامين والشرطة التي لها علاقة بغولن زوروا أدلة تخص منظمة "أرغينيكون"، ساعدت باتهام مئات الجنرالات ومسؤولين بارزين آخرين بالتخطيط للقيام بانقلاب. الأمر الذي لم يبد أن أردوغان اعترض عليه في حينها، إلا أنه الآن يشكو بمرارة من تغلغل أتباع غولن إلى السلطة القضائية.

ولا تكمن الأزمة في الصراع بين حزب العدالة والتنمية وأتباع فتح الله غولن فقط، بل تتعداها لتشير إلى الضعف المزمن في ديمقراطية تركيا ، ووسائل الإعلام المكبلة، والقضاء المسيس.