يوماً بعد يوم، يصبح أكثر وضوحاً أن الربيع العربي لم يستطع زلزلة عروش السلطات المتحجرة في الشرق الأوسط فحسب، وإنما أطلق تحولاً شاملاً في المنطقة، وهو تحول أفضى إلى تقليل التأثير الأميركي وسيدفع واشنطن في نهاية المطاف لإعادة التفكير بحصتها في المنطقة، التي يفترض أنها بقيت لنصف قرن مركز اهتماماتها الأساسية.
وبدأت الحرب الأهلية السورية بالتمدد عبر سيل الدماء نحو الدول المجاورة ومنها العراق ولبنان، مُضعفة بذلك سلطة الحكومات المركزية في كلا البلدين ومنبئة بتفجر معارك متوازية بين الجماعات السنية والشيعية المسلحة. ومن جهتها بدأت الحكومة المصرية بتوسيع سلطاتها بشكل يتجاوز تأثير الولايات المتحدة الأميركية.
ليبيا أيضاً، انتقلت من كونها بلداً مميزاً ولكنه مستقر في نهاية المطاف تديره شخصية زئبقية متقلبة، إلى دولة خارجة عن سيطرة أي أحد. وتشكّل اليمن من جهتها ملعباً للمتشددين.
القوى الفاعلة
وكل هذه الأمور تُمثّل انهياراً حقيقياً لهيكل السلطة في العالم العربي. وكما أشار أرون ميلر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط لفترة طويلة، والمسؤول عن ملف المساعدات، والذي يعمل حالياً نائباً للرئيس في مركز ويلسون إلى أن " الدول الثلاث الأكثر أهمية حالياً في الشرق الأوسط اليوم هي تركيا وإيران وإسرائيل، وكلها غير عربية".
ويرقى هذا إلى زلزال شامل في المنطقة، التي تم الحفاظ على استقرارها لعقود خلت بسبب حكم قيادات عربية علمانية قوية لها في كل من مصر والعراق وليبيا واليمن وسوريا وتونس، وبعض هذه القيادات كانت صديقة للولايات المتحدة، وبعضها كانت خصماً لها، وهناك أخرى متذبذبة بين الحالتين، إلا أنها جميعها كفلت الاستقرار بشكل ترجم إلى تدفق آمن للنفط.
ونظرياً، يجب أن يُمثل كل ذلك أخباراً إيجابية لواشنطن. فالإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وبالرئيس الليبي السابق معمر القذافي وتهديد حكم الرئيس السوري بشار الأسد كل ذلك يشير إلى ضعف ما عرف لسنوات عدة بالمحور المناهض لأميركا.
المعضلات الثلاث
ولكن ما من شيء بسيط في الشرق الأوسط. فهناك معضلات ثلاث كبرى تُصعب من وقع التغييرات الأخيرة على الولايات المتحدة وهذه المعضلات هي :-
*أن انهيار هيكل السلطة العربية فتح الباب على مصراعيه أمام تمدد تأثير إيران في المنطقة. وهذه تركة باقية من حرب العراق، فقد خلصت العالم من صدام، ولكنها جعلت المنطقة أكثر أمناً لإيران.
*أن رحيل الطغاة العرب لم يمهد الطريق أمام صعود ديمقراطية علمانية، على الأقل ليس حتى الآن. وبدلاً من ذلك فتح الطريق للمتشددين.
*أن الزلزال السياسي أطلق العنان للتوترات بين السنة والشيعة، لا سيما كما يظهر بوضوح في كل من سوريا ولبنان والعراق. وكان كل من صدام حسين، وحكم عائلة الأسد في سوريا يعتبران صمامين في مواجهة هذه التوترات.
هذه التغييرات الديناميكية يجب أن تفضي إلى نقاشات وطنية جادة حول تحديد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في العصر الجديد الذي يقل فيه اعتماد واشنطن على نفط الشرق الأوسط، ويتواصل تهديد المتشددين ومخاطر الإرهاب وإنهاك التدخل العسكري المحموم للمنطقة. وتتعرقل المفاوضات الحالية بشأن الصفقة النووية التي توصف بالحكيمة مع إيران بضعف الوعي الوطني بمصالح أميركا الأكبر في المنطقة.
وتبدو قدرات أميركا حالياً بالمحدودة لاسيما فيما يخص تأثيرها على الأحداث الجارية. إلا أن الأمر المؤكد هو تلاشي ذلك التصور المعهود بشأن قدرة الولايات المتحدة الأميركية على إدارة دفة الأحداث في المنطقة.
من جهته يقول ميللر إن أميركا لاتزال تمتلك حصة في المنطقة، سواء قبلت بذلك أم لم تقبل، ويضيف "دعونا نكن واضحين، نحن محاصرون في منطقة لا يمكننا تركها أو إصلاحها". والبدء باتخاذ قرار وطني بشأن كل هذا كان يوماً مهمة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وربما يمكن أن يكون كذلك مجدداً.
الانهماك الأميركي
تنبع معظم القدرات الأميركية على التأثير في المنطقة من إمكانية إرسالها قوات عسكرية إليها كي تعادل ميزان القوى هناك. وباتت تلك الفكرة لا تؤخذ على محمل الجد، نظراً لانهماك أميركا لأكثر من عقد من الزمان في القتال في العراق وأفغانستان، إلى جانب الوعي بضرورة عدم التدخل في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا لمساعدة الثوار.
