يعد 31 من ديسمبر عام 2001 يوماً مهماً بالنسبة لأفغانستان، ففيه تم التوقيع على اتفاقية مع التحالف الشمالي لنشر القوة الدولية التي اصُطلح على تسميتها اختصارا بـ "إيساف"، على امتداد أفغانستان، كأولى الخطوات المتعثرة للخروج من ظل حركة طالبان.
كنت قد عدت إلى كابول بعد مقابلة اسماعيل خان الملقب بـ"قلب الأسد"، الذي أعلن أنه لن يُسمح للقوات الأجنبية بدخول المنطقة الخاضعة لسيطرته غربي البلاد. ولدى وصولنا إلى مكان إقامتنا في فندق انتركونتيننتال، والتقيت بمجموعة من المصورين كانوا في طريقهم إلى كابول. وقال أحدهم في قهقهة عارمة أنهم "ذاهبون لخبز بعض الكعك".
وكان الإعلام وقتها قد خطط لإقامة حفلات كثيرة للاحتفاء بمناسبة ليلة رأس السنة، والتي بدأت مبكرا على أن يكون ختامها في فندقنا.
كان هناك حظر للتجول، وساد اعتقاد بأن الناس ستُمضي ليلتها في ذلك الفندق، إلا أن الجنرال جون ماكول، أول رئيس لقوات الأمن الدولية المساندة "إيساف"، عقد مؤتمرا صحافيا في السفارة البريطانية التي تم افتتاحها حديثا هناك، وأمضيتُ معظم الفترة المسائية أكتب تقريرا عن عملية نشر القوات.
تفجيرات مروعة
ولدى وصولي إلى قاعة الرقص في فندق "انتركونتيننتال"، شاهدت مشهدا تسوده الفوضى. فالبعض كان يزحف على الأرض، وآخرون كأن على رؤوسهم الطير، كما بدت الموائد كأنها لم تُلمس.
ولدى سؤالنا مسؤولا أفغانيا رفيع المستوى عن الذي حدث، متحاشين في الوقت ذاته سؤاله عما إذا كانت هناك مشروبات كحولية في الحفل، لم يخبرنا بشيء غير " أنه لم يتعرض لتأثير الكثير من هذه المواد"، وذلك على ما أخبرني به مترجمي علي، حيث كان المسؤول يتحدث باللغة "الدارية".
وفي تلك الفترة، اعتُبر الغزو من قبل " ائتلاف الراغبين"، الذي تلا هجمات 11 سبتمبر بمثابة نجاح. فالرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش أخبرنا بأن المهمة قد أنجزت وأن طالبان لن تعود مجددا.
وقال توني بلير من جانبه " هذه المرة لن نرحل"، على غرار ما فعل الغرب بعد استخدامه للمقاتلين الأفغان ضد الروس. وكانت كل من لورا بوش وشيري بلير قد أعلنتا تحرر النساء الأفغانيات.
تداعيات الانسحاب
يشار إلى أن مهمة قوات "إيساف"، القتالية ستنتهي في العام الحالي. وبحسب ما يُقال في واشنطن ولندن الآن فإن الحكومة الأفغانية لن تنهار كما انهارت عقب خروج الروس من بلادها. وقد تم تخصيص 10 مليارات دولار أميركي لتُضخ سنويا من الخارج في أفغانستان لتحقيق هذه المهمة.
ولكن الاتفاقية التي ستتيح لأفغانستان دعما عسكريا مستمرا وجوهريا تظل بلا توقيع. وعلى الرغم من كل الخطوات الزائفة والتقديرات السيئة في أفغانستان إلا أن تقدما ما أحُرز في غضون السنوات العشر الماضية. وهناك شعور يراود كثيرا من الأفغان حول كم من هذا كله سيقدر له البقاء إذا انسحب الغرب مجددا.
ما بعد طالبان
أحداث أفغانستان لم تكن كلها كالسيرك، فقد كان هناك شعور الأمل بعد حُكم طالبان الصارم. كانت هناك موسيقى وألعاب شوارع وطائرات ورقية تحلق في السماء. وبدا الأمر أن زعماء الحرب قبلوا بأن أيامهم ولت، وبالتالي فقد بدأوا بشكل تدريجي بنزع سلاح قواتهم الخاصة.
وخلعت النساء البرقع، وبدأت البنات بارتياد مدارس حديثة. وخلال عام واحد التقيتُ ست نساء يعملن في الحياة العامة، واللواتي جسدن أفغانستان الشُجاعة الحديثة.
وبعدها بالطبع غادر الغرب مرة أخرى. وخصصت مصادر الدخل التي كان يجب استثمارها لاستقرار أفغانستان في حرب العراق. وتم ترحيل القوات الأجنبية، وتوقف العمل التنموي، وعادت طالبان، وتداعى الأمن مجددا.
