تبدو فضيحة الفساد التي طفت، أخيراً، على السطح في تركيا قضية تقليدية توجه فيها أصابع الاتهام إلى شخصيات ذات مناصب رفيعة.
إلا أن الاضطراب الذي يُهدد حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بدأت منذ وقت طويل في شكل تظاهرات شعبية أصبحت تعكس الخلاف الدائر بين أكبر حزبين محافظين إسلاميين، واللذين كانا موحدين حتى الآن تحت قيادة الحزب الحاكم الحالي، وهما حزب العدالة والتنمية وحركة غولن واسعة الشعبية ذات التأثير.
ومَثَلَ العام المنصرمُ تحدياً لأردوغان. فالتظاهرات الغاضبة التي بدأت على خلفية خطط تطوير حديقة "غازي" في إسطنبول، والتي بدأت في شهر مارس الماضي كانت قضية ليبرالية شكّلت تحدياً لحُكم أردوغان ذي الوتيرة الأوتوقراطية المتزايدة.
وعلى الرغم من أن هناك أموراً قليلة مشتركة بين المحتجين الذين احتلوا حديقة غازي وبين حركة غولن الصوفية الغامضة والمعروفة بتوجهاتها الدينية، والتي كانت حتى وقت قريب تدعم أردوغان، إلا أنهما أصبحتا شريكتين بحكم الأمر الواقع وإن يكن بالفعل، ولهما أهداف متماثلة: مقاومة سلطة أردوغان شبه الكاملة.
ويدير أردوغان رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ نظرائه منذ انفتاح تركيا على الديمقراطية عام 1950، الدولة بمفرده تقريباً. وبنى تحالفاً سياسياً واسعاً أهله للفوز في الانتخابات ثلاث مرات متتالية، بأكبر أغلبية وصفت بالمتزايدة بشكل مطرد.
وضم الحلف إسلاميين وقوميين وناخبين من يمين الوسط ورجال أعمال ليبراليين. ووزع أردوغان سلطاته على الجهات التشريعية والتنفيذية للحكومة، إلى جانب الإعلام ومجتمع الأعمال. وأثار حكمه بادئ الأمر حفيظة المعارضة الليبرالية العلمانية، إلا أنه الآن يثير انزعاج مؤيدي فتح الله غولن.
القوى الصاعدة
وتعود جذور حركة غولن إلى سبعينيات القرن العشرين، حين أنشأها الداعية الإسلامي فتح الله غولن البالغ من العمر 72 عاماً، وبدأت تجتذب مؤيدين لها. ويذكر أن حركة غولن التي تدعم المفهوم المحافظ والعصري في الوقت ذاته للإسلام نجحت بشق طريقها عبر تركيا.
وتشير بعض التقديرات إلى أن حجم الحركة يصل لنحو 5 ملايين مؤيد، على الرغم من تقدير آخرين لها بما يقل قليلاً عن المليون شخص.
فعل ورد فعل
وللحركة شبكات إعلام خاصة، وجامعات، ومدارس، ومراكز أبحاث، ومشاريع، ومناصرون في أماكن كالشرطة والسلطات القضائية. وفي ظل انتشارها الواسع هذا وهويتها الإسلامية يبدو أنها تعتبر العقبة الأخيرة التي تقف في وجه تعضيد قوة أردوغان في البلاد.
وتنبهت إدارة أردوغان لقوة حركة غولن المتصاعدة العام الماضي، عندما حاول ممثلو ادعاء على صلة وثيقة بها استدعاء رئيس المخابرات التركية حقان فيدان المقرب من أردوغان للتحقيق معه، الأمر الذي أحبطه أردوغان عبر تمرير تشريع جديد. إلا أنه اعتبر الاستدعاء بمثابه تحذير حملهُ على محاولة إغلاق شبكة مدارس غولن الإعدادية القوية.
من جهته رد أنصار غولن على الأمر سريعاً، ببدء الصحف التابعة لحركته نشر أخبار ضد أردوغان، الذي أجل بدوره خطوة إغلاق المدارس. وفي 12 ديسمبر الماضي مضى ممثلو ادعاء معروفون بعلاقاتهم بحركة غولن قدماً بدعاوى فساد ضد أعضاء بارزين في مجلس وزراء أردوغان.
وخلق مؤيدو حركة غولن، الذين يعمل كثير منهم في مناصب قضائية رفيعة بهذه الحركة تحدياً أكبر وأكثر وضوحاً مقارنة بأي تحد ٍآخر واجه أردوغان خلال 12 سنة من حكمة لتركيا.
وأدت مزاعم الفساد هذه إلى استقالة ثلاثة وزراء، أعقبها إجراء أكبر تعديل وزاري في تاريخ حزب العدالة والتنمية منذ وصوله السلطة عام 2002. وأقال أردوغان مئات من رؤساء أقسام الشرطة الموالين لفتح الله غولن من مناصبهم، فضلاً عن إزاحته المدعي العام البارز معمر أكاس عن موقعه بتهمة الكسب غير المشروع.
ميزان القوى
كل هذه الأحداث ما هي إلا مقدمة بسيطة لما يتوقع أن يكون معركة عالية المخاطر والمتمثلة في انتخابات البلدية في إسطنبول بمارس المقبل، والتي لطالما كانت سباقاً تنافس فيه حزب العدالة والتنمية، إلى جانب حزب الشعب الجمهوري اليساري العلماني المعارض، الذي يحظى مرشحه مصطفى ساري غول بشعبية واسعة.
وبالنظر إلى أن حركة غولن لن تُجمع على التصويت لمرشح ليبرالي على الأغلب، إلا أن الخطوة قد ترجحُ كفة ميزان الانتخابات لصالح حزب الشعب الجمهوري، الأمر الذي سيكون له وقعه بدون أدنى شك على أردوغان.
