لا شيء يصدمنا بعد اليوم في سوريا بالنظر إلى حالة الفوضى السائدة هناك، حيث الموت، والدمار، والتهجير كل ذلك أصبح أمراً روتينياً. فقد شهدنا استخدام الأسلحة الكيميائية، وتعذيب الأطفال، وتجويع اللاجئين حتى الموت، وتابعنا انهيار الدولة السورية وتزعزع استقرار الدول المجاورة.

وبالتالي فقلة هم من يتوقعون وقف حالة انهيار الدولة وتفككها. وإذا سألت دبلوماسيين أو محللين سياسيين عن الأزمة في سوريا هذه الأيام، فإنك ستسمع على الأغلب توقعات باستمرار الحرب وحالة التفكك لسنوات عديدة مقبلة. وعلى الرغم من ذلك فلا تزال هناك أمور صادمة في الأزمة التي تدخل عامها الرابع، ستجبرنا على الاعتراف بسوء السياسة الغربية في سوريا.

التحركات الميدانية

وجاءت لحظة مفصلية بشأن تلك التوقعات، أخيراً، متمثلة باستيلاء مجموعة من المقاتلين التابعين للجبهة الإسلامية على مستودعات للسلاح ومقرات تابعة لثوار منافسين مدعومين من قبل تحالف الدول الغربية والعربية.

ونتيجة لذلك استجابت كل من بريطانيا وأميركا على الفور بتعليق مساعداتها غير القاتلة، والتي كانت تصل الثوار شمالي سوريا، وذلك وسط مخاوف من أن تنتهي هذه المساعدات في أيدي المتطرفين، وهذا على اعتبار أنها ليست بحوزتهم حتى الآن.

وحاول سليم إدريس قائد الثوار المدعومين من قبل الغرب والائتلاف السوري المعارض صبغ الواقعة بصبغة أقل دراماتيكية، مشيراً إلى أنهم طلبوا عون الجبهة الإسلامية لدى تعرض قواته للهجوم من قبل مجموعات القاعدة. ورغم ذلك إلا أن الوضع على الأرض يشير إلى أن الاستيلاء على المعدات ومقار الجهات الثورية الأخرى ما هو إلا محاولة انقلابية ضد الائتلاف السوري.

ويزداد الموقف حرجاً لدى الأخذ في عين الاعتبار بأن الجهات التي سهلت تسليح وتمويل الجبهة الإسلامية هم أعضاء من التحالف نفسه الذي يدعم الائتلاف. وقد تم حث الدول الداعمة مراراً وتكراراً من قبل شركائهم الغربيين لتوجيه التمويل والتسليح إلى إدريس فقط. إلا أنهم لم يستجيبوا لذلك أبداً.

انسداد أفق الدبلوماسية

وبات من الموكد تحطم نجاح أي مسعى دبلوماسي بشأن سوريا قد يلوح في الأفق في ظل التخطيط لعقد مؤتمر جنيف المدعوم من قبل الغرب وروسيا في سويسرا قريباً. ولم تكن فكرة تخلي بشار الأسد، المدعوم بقوة عن سلطته وتسليمها إلى حكومة انتقالية في يوم من الأيام فكرة مقنعة له، وبخاصة مع تحول دفة الأوضاع على الأرض ولو بشكل محدود لصالحه.

وعلى الجهة الأخرى، يُصنف تنظيم "داعش"، الذي يُعتبر جزءاً من تنظيم القاعدة بأنه اللاعب الأعنف في ساحة المعركة بسوريا. ومنافسه الأساسي هو الجبهة الإسلامية، وليس الجيش الحر بقيادة سليم إدريس.

ويضطلع الأخير بمهمة إعادة السيطرة على الأسلحة المستولى عليها من قبل التنظيمات الأخرى، ورأب الصدع الحاصل بين القوى الثورية على الأرض. ويُجادل حلفاؤه في المعارضة السورية بأن على الجبهة الإسلامية فتح قنوات للتواصل مع الغرب وحضور مؤتمر جنيف المقبل.

وهناك مجموعات حديثة نسبياً في صفوف الجبهة الإسلامية يمكن للحكومات الغربية التعامل معها، والتي كانت منذ فترة ليست ببعيدة تعمل تحت قيادة إدريس. وسعى الدبلوماسيون الأميركيون إلى اقناع تلك الجماعات بدعم أو على الأقل عدم معارضة مؤتمر جنيف علناً.

ولا يمانع الأميركيون بضمهم إلى وفد المعارضة في محادثات السلام بجنيف. وذلك بالنظر إلى وجود جماعات أخرى وبالأخص جبهة أحرار الشام الواسعة الانتشار، لا توافق تصرفاتها رؤية الولايات المتحدة الأميركية نظراً لقربها من مقاتلي القاعدة.

ومما لا شك فيه أن الرئيس السوري بشار الأسد، وبكل أسف، يشعر بالرضا الآن، وهو يراقب من دمشق الفوضى الحاصلة في شمالي سوريا. ويمكنه اليوم الزعم بفشل الثوار في تقديم بديل لسلطته، على الرغم من أن قتله الوحشي للسكان هو ما أسهم في ظهور التطرف والانشقاق في صفوف المعارضة.

ولم يتمكن الائتلاف الوطني السوري، الذي يُنظر إليه على أنه الواجهة الممثلة للحركات المعارضة على الأرض لعب دور البديل أو دور الممثل للشعب السوري. فبقاؤه منذ بداية نشوئه يعتمد بشكل كبير على قدرته توصيل العون الغربي الذي كان قد وعد به للشعب السوري.

 

عجز الغرب

 

وبعد انقضاء شهور عدة على الإنكار، بات من الواضح جداً للائتلاف السوري أن الغرب غير قادر على تقديم أي حل موضوعي سواء على الصعيد العسكري أو الدبلوماسي.

 وكما أنه ليس بيد الائتلاف السوري حيلة تجاه الأزمة في البلاد، فلا حيلة للولايات المتحدة الأميركية وشركائها من الدول الغربية أيضاً، التي لم يعد بوسعها التأثير في ما يحدث في إطار المأزق السوري إلا في نطاق محدود جداً.