أعرب الكثير من المحللين عن قلقهم على مستقبل دولة جنوب السودان عندما احتفلت باستقلالها عن جمهورية السودان عام 2011. وللصراع المستعر حالياً في أحدث دولة في العالم عواقب إقليمية ودولية خطيرة. ويُشكّل استقلال جنوب السودان بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية أحد النجاحات القليلة المسجلة لصالح أولى سياسات إدارة حكومة أوباما في إفريقيا، والتي لم يعقبها أي نجاح يُذكر.

إلا إن ما تعانيه جنوب السودان من أزمة حالية ليس بسبب قلة الدعم الدولي. فعلى غرار ما رأيناه في إرتيريا، التي استقلت عن إثيوبيا عام 1991، والتي تعاني بشدة من سوء أوضاعها منذ ذلك الوقت، يتولد الصراع الحالي في جنوب السودان من ضعف القيادة السياسية داخل الدولة، التي لاتزال بحاجة إلى تطبيق منهجية تأسيسية واسعة جداً فيها. ويُشار إلى أن العنف والاقتتال وعمليات العزل السياسي، التي انفجرت في 15 ديسمبر لم تكن بهدف التأسيس لانقلاب مُتعمد، بل نتيجة لتدهور العلاقات بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار.

انقلاب عرضي

وأصبح كير خلال الـ 18 شهراً الأخيرة أكثر سلطوية على نحو متزايد. ولم يبرهن التغيير الوزاري الأخير في يوليو الماضي على أي تحسن في إدارته. ولدى محاولته السيطرة كلياً على الحرس الجمهوري تطور الأمر إلى مواجهة توسعت لتصبح انقلاباً عرضياً.

وحتى وقت اندلاع هذه الأزمة، تركزت الجهود الدولية على قضايا الحدود مع السودان، وعلى حض كير للتصالح مع عدوه القديم الرئيس السوداني عمر حسن البشير. وصعدت هذه النتائج غير المقصودة لاستراتيجية كير من التوتر داخل حزب حركة التحرير الشعبي الحاكم جنوب السودان.

وهناك بُعد عرقي يتمثل في علاقة قبيلتي النوير والدنكا يدخل أيضاً في مسألة النزاع. فالرئيس كير من أبناء قبيلة الدنكا، بينما ينحدر مشار من قبيلة النوير. وهذا النوع من الصراعات ليس بالجديد بالنسبة لدولة جنوب السودان. فالنزاعات القبلية الداخلية كانت سمة بارزة من سمات المشهد السياسي في المنطقة لزمن طويل سبق الاستقلال. إلا أن اكتشاف الأمم المتحدة للمقابر الجماعية الثلاث الضخمة أخيراً رصد درجة تسارع تأزم الموقف. وفي سياق متصل، نشر كير جيشه لمقاتله مناصري مشار، ما أدى إلى مقتل الآلاف ونزوح عشرات الألوف داخلياً بسبب هذا الصراع. وبينما تلوح في الأفق أزمة كبيرة، ينشغل المجتمع الدولي حالياً بكيفية إدخال المساعدات الإنسانية.

دور الأمم المتحدة

من جانبها أعلنت الأمم المتحدة مضاعفتها لقواتها على الأرض. ويأتي ذلك في وقت زار فيه رؤساء كل من كينيا وإثيوبيا عاصمة دولة جنوب السودان، جوبا، لمحاولة وقف القتال الدائر هناك. ويشار إلى أن دخول القوات الأوغندية لجنوب السودان أدى إلى تدويل الأزمة، في وقت لا تُعرف فيه نوايا الدول الأخرى المجاورة، وبخاصة السودان. فهذا تجاور هش على أية حال، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار في دارفور، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وبالنظر إلى عدم الأمان في المنطقة فإن الحرب الأهلية في جنوب السودان تزيد الطين بلة.

ولن يقف المجتمع الدولي متفرجاً حيال الأزمة الراهنة، لا سيما في ظل ما استثمره من جهد مكثف من أجل استقلال جنوب السودان، فضلاً عن إدراكه أن الاستجابة لدواعي المساعدات الإنسانية والاستثمار في المنطقة على المدى الطويل يحتاجان إلى حكومة مستقرة ومسؤولة. والأمر الأكثر سوءاً بالنسبة لجنوب السودان هو أن الوضع سيصبح أكثر استبداداً، وذلك سواء تفوق كير عسكرياً على مشار أو في حال أجريت مفاوضات تسوية.

 

 

التدخل الخارجي

 

يبدو أن صراع النخبة القيادية المحدودة يجر جنوب السودان بكامله إلى حرب أهلية شاملة تتطور بسرعة إلى حرب ذات أبعاد عرقية. ومن الواضح أن الأطراف الخارجية لا تستطيع فعل الكثير في هذه الأزمة، باستثناء احتوائها، وحث القيادات السياسية لجنوب السودان على التراجع عن خلافاتهم، والتركيز على بناء دولة قابلة للحياة ينتفع منها مواطنوها.