تواجه دولة جنوب السودان الأزمة الأعنف لها منذ تشكلها. وتقبع الدولة المولودة باستفتاء في عام 2011، بعد حرب طويلة مع السودان أودت بحياة أكثر من 2.5 مليون شخص بين براثن أزمة سياسية تتطور نحو صراع قبلي.

وبعد إبرام اتفاق السلام الشامل عام 2005، والتي أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب، بنى الرئيس الحالي لجنوب السودان سلفا كير الدولة من اتحاد هش من القبائل والأقاليم. وأنا خدمت كمبعوث للولايات المتحدة في السودان منذ عام 2006 حتى عام 2007، وسلفا كير الذي عرفته وقتها كان ملتزماً بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسلطة القانون. إلا أن ناقديه الآن يقولون إنه ركز السلطة في يديه مستخدماً القمع بدلاً من الإقناع في حكمه.

وينحدر كير من قبيلة الدنكا أكبر قبائل جنوب السودان، بينما ينحدر نائبه السابق رياك مشار من ثاني أكبر القبائل هناك وهي النوير. ولهاتين القبيلتين تاريخ حافل من التنافس السياسي والاقتصادي وفصول من المواجهات الدموية. وفي عام 1991، وبعد حدوث مواجهات على السلطة بين المتمردين في جنوب السودان، انشق مشار عن قائد جيش حركة التحرير الشعبي جون غرانغ ونائبه كير وعن حزب حركة التحرير الشعبي ليتحالف وقبيلته النوير مع الشمال.

زواج مصالح

كان الأمر زواج مصالح، فمشار دعم استقلال جنوب السودان، بينما دعم غارنغ وكير حكماً ذاتياً للجنوب في ظل سودان موحد. يأتي ذلك فيما عارضت الخرطوم الاستقلال، إلا أنها سلحت مشار للإبقاء على الفوضى في جنوب السودان. وتصارعت القوات الجنوبية فيما بينها لعقود مرتكبة فظائع الأمور، كالتي حدثت عام 1991، في مذبحة "بور"، والتي قتلت فيها قوات النوير التابعة لمشار الآفاً من قبيلة الدنكا.

وتوحدت القوات الجنوبية أخيراً عام 2001، تحت ضغط حكومة الولايات المتحدة الأميركية. وأصبح غرانغ بعد توقيع معاهدة السلام مع الخرطوم في يناير عام 2005، رئيس الحكومة المؤقتة لمنطقة جنوب السودان التي تتمتع بحكم ذاتي. وخلف كيري فور وفاة غرانغ في يوليو من العام ذاته إثر تحطم طائرة الهليوكوبتر التي كانت تقله، وأصبح مشار نائبه. وعملا سوياً لموازنة المصالح الفئوية داخل الجنوب السوداني، وبخاصة من حيث توزيع الوظائف والعقود الحكومية. كما عملا سوياً على نزع فتيل التوتر عندما بدأ العنف الطائفي يهدد الاستقرار.

تخوين وإقرار

واستقل الجنوب تماماً في 9 يوليو عام 2011. إلا أن توقعات العامة بحصد ثمار السلام بشكل سريع جاءت على عكس ما يشتهون. ففي عام 2012، اتهم كير بعض وزرائه وقادة في الجيش بسرقة 4 مليارات دولار أميركي. واستخدمت الحكومة وقتها القمع لإخماد الانتقادات. واعترف جيش حركة التحرير الشعبي بارتكابه انتهاكات حقوق إنسان في ولاية جونغلي جنوبي شرقي السودان ضد قبيلة المورل، التي سلحت من قبل الخرطوم لإحداث الفوضى في المنطقة.

وفي مارس من عام 2012، انتقد مشار قيادة كير للسلطة، كما أعلن تحديه كير لترأس لجنة حزب حركة التحرير الشعبي والترشح للرئاسة عام 2015. وعين كير الاسيد مشار نائباً له في يوليو مسرعاً بذلك من سقوط الموازنة القبلية للسلطة في الحكومة الهشة.

وجادل منتقدو كير في الجنوب بأن الأخير طرد الإصلاحيين من حزبه وأحاط نفسه بالموالين له من أبناء منطقته، ومن مساعدي رئيس السودان عمر حسن البشير بدلاً عنهم. وأقدم كير على تسويات مع الخرطوم مقابل تقاسم أرباح النفط، وتعديل حالة الحدود المتنازع عليها في أبيي. وعلى الرغم من إعلانه أن ذلك يصب في مصلحة استقرار العلاقة بين جنوب السودان والسودان، إلا أن آخرين يرون أنه تنازل كثيراً.

 

خلاف

على الرغم من أن الشجار بين كير ومشار ليس بذي خلفية عرقية، إلا أن خلافهما السياسي راح يتحول إلى حرب قبلية. فالتوتر بين قبيلتي الدنكا والنوير على خلفية الحرس الرئاسي انفجر في 15 ديسمبر الماضي. وطالب كير من جانبه مقاتلي النوير بنزع السلاح لعدم ثقته في ولائهم. وهم بدورهم استجابوا لذلك، إلا أن مقاتلي الدنكا حملوا السلاح وحدثت عمليات إطلاق للنار.