انطلق وفد من الناشطين الأميركيين، أخيرا، إلى الكابيتول هيل للمطالبة بخفض الانفاق على الميزانية العسكرية الهائلة لبلادهم، وذلك على خلفية معاناة ملايين الأميركيين جراء حرمانهم من التمتع بالرعاية الصحية اللازمة، فضلا عن انخفاض أجورهم، وتدهور الخدمات العامة، وقلقهم على المستقبل في ظل الفروقات الكبيرة الآخذة في الاتساع بين النخبة الثرية في المجتمع وبين الطبقة العاملة وتراكم مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب في خزائن وزارة الدفاع سنويا.
ويبلغ حجم ميزانية البنتاغون حاليا نصف موازنة الحكومة الأميركية التشغيلية، بحيث بلغت عام 2013 نحو 716 مليار دولار، أي ما يفوق ميزانيات الدفاع في الدول العشر التالية الأعلى انفاقا مجتمعة في العالم. ويشار إلى أن تجمع هؤلاء الناشطين تزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان على نحو موات.
وشارك في هذا التجمع كل من مجموعات "روتس أكشن"، و"ذا هنغر أكشن نيت ورك أوف نيويورك ستيت"، و"كود بينك"، و" غرين شادو كابينيت"، و" كوليشن أغينست نوكيز"، و"بور بيبولز ايكونومك هيومن رايتس كامبين"، و" يو أس ليبور أغينست ذا وور"، وغيرها من الجماعات والمنظمات.
إصلاحات شاملة
وطالبت مجموعات الناشطين هذه الكونغرس الأميركي بتخفيض الميزانية العسكرية المتضخمة، واستخــدام المدخــرات الكبيرة لتوسيع نطاق البرامــج الاجتماعية، المهمة التي تساعد النــاس، ومنها برامج كوبونات الغذاء، والضمــان الاجتماعي، فضـلا عن تحسيـن برامــج الرعايـة الصحيـة المتكاملة للجميع. واقترحت هذه المجموعات أيضا جدول أعمال عامة كبير لتوفير وظائف مستدامة برواتب جيدة غير قابلة للتعهيد خارجيا في كل وحدة اجتماعية حول الدولة. مثل الأعمال التي تستخدم طاقة خضراء نظيفة.
كما أكدت على ضرورة تصليح وتحديث البنية التحتية المنهارة من طرق، وجسور، ومستشفيات، ومدارس، ومكتبات، ومواصلات عامة، وأنظمة توزيع المياه والمصارف، والحدائق العامة.
وأشار المشاركون في الحملة إلى إمكانية استخدام المدخرات من الانفاق على الدفاع لتصليح البنية التحتية، التي بني أغلبها في عهد الرئيس الأميركي فرانكلين روزفيلت، في ثلاثينيات القرن العشرين. فهناك مشاريع من شأنها نفع المواطن الأميركي وليس نهب وتخريب الدول الأخرى، التي أصبح مواطنوها ضحايا دائمين لمغامرات الولايات المتحدة العسكرية المتواصلة.
التضليل السياسي
كان المواطنون الأميركيون لفترة طويلة عرضة لأعمال الترويج والتضليل من الحكومة بشأن تهديدات أجنبية مزعومة تعرض حياتهم للخطر. والخضوع لهذه الأكاذيب أثبت أنه أمر مكلف. فهذا النوع من حملات الحرب صب في مصلحة شركات مثل "لوكهيد مارتن"، و"وبوينغ"، و"هاليبورتن"، والتي حصدت أموالا هائلة من ميزانية الدفاع الأميركية لمرات عديدة، متفوقة بذلك على ما حصدته نظيراتها في أي دولة أخرى في العالم.
وبأخذ ذلك في الاعتبار فإنه من المتوقع أن تكلف حاملة الطائرات الأحدث "يو أس أس غيرالد أر. فورد"، والتي لا تزال تحت البناء 12.8 مليار دولار أميركي. أي ما يزيد بمليار دولار عن الميزانية السنوية الحالية لوكالة الإيرادات الداخلية، المسؤولة عن إنفاذ قانون الضرائب.
وتمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات، جميعها تتفوق على أي سفينة أجنبية موجودة في البحر.
وعلى صعيد ميزانية وكالة الإيرادات الداخلية، يشار إلى عدم فعاليتها في متابعة المتهربين من الضرائب، والذين يكلفون الحكومة خسائر سنوية تصل إلى 300 مليار دولار أميركي.
وبحسب تقرير صادر عن "ذا موتلي فول"، عام 2001، فإن " التهرب من الضرائب في العقد الأخير كلف ما يُعادل مجموع التخفيضات التي أجراها الرئيس بوش، مضافة إلى حزمة التحفيز التي أطلقها الرئيس أوباما، وتكلفة الحرب على العراق وأفغانستان، مجتمعة".
من جهته قال مارك دونيلا، الرئيس التنفيذي لشبكة " ذا هنغر أكشن أوف نيويورك ستيت"، والذي يعتبر أحد منظمي الحملة الرئيسيين إن : " تخفيض الميزانية العسكرية إلى النصف من شأنه إرجاعها إلى حجمها الذي كانت عليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي كانت تعتبر عالية جدا. فحجم الأموال المنفقة على التسلح الأميركي جريمة في حق الإنسانية. فهي تسرق مستقبل أولادنا وتضطهد الأشخاص على امتداد العالم.
ولا يتوجب علينا تقليل تمويل برنامج التغذية التكميلية المساعد، الذي يغذي أطفالنا ويرعى شيابنا في وقت نبذر فيه عشرات مليارات الدولارات لصنع طائرات ودبابات يتم تركها في الصحراء عادة بعد انتهاء مهمتها".
تحذيرات سابقة
كان الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور قد حذر من مخاطر ما أسماه "المجتمع الصناعي العسكري"، في خطابه الأخير عام 1961. أما الآن وبعد مرور 50 عاما على حديثه، فيمكن للمتابعين ملاحظة نتائج الإنفاق المتهور وغير الواعي على التصنيع غير اللازم للأسلحة التكنولوجية المدمرة بالغة التعقيد، فضلا عن مهمة إيجاد مستخدمين لهذه الأسلحة.
ويرى مكتب المحاسبة الحكومي التابع للكونغرس أن ميزانية الدفاع مليئة بالفساد، والتجاوزات، وفواتير الاحتيال المعقدة، فضلا عن أنها تفتقر إلى الإدارة الصحيحة. وبالتالي فإن الدعوات تتجه نحو الالتفات إلى تحذيرات أيزنهاور السابقة، واستخدام ثروة الولايات المتحدة في مشاريع تنموية تفيد مواطنيها.
