تشكل جنوب السودان بفعل نضال شعبه والتزام المجتمع الدولي باتفاقية السلام مع السودان. ومن جانبهم رسم بعض المحللين صورة قاتمة للدولة الأحدث في العالم، ووصفوها بأنها دولة فاشلة، وذلك قبل أن تولد في التاسع من يوليو 2011. بينما كانت للبعض الآخر رؤية متفائلة حيال هذه الدولة، ليس لمصادرها الطبيعية الهائلة فحسب، بل لحزم سكانها في ما يخص تقرير مصيرهم.

وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أن الشواهد الحالية تدل على صحة آراء المجموعة الأولى من المحللين في ما يخص توجه جنوب السودان نحو كارثة ما. فقد اندلعت أخيراً المواجهات في العاصمة جوبا، والتي بدأت تتطور إلى حرب أهلية قد تبتلع معظم مناطق الدولة.

انقسام داخلي

ونشأ الصراع من انقسام حدث داخل حزب حركة التحرير الشعبي الحاكم في جنوب السودان. ففي السادس من ديسمبر اتهمت مجموعة من السياسيين بقيادة الدكتور رياك مشار، نائب رئيس الحزب، رئيس الحزب الحاكم سلفا كير بالدكتاتورية. وكانت المجموعة قد خططت للتجمع في 14 ديسمبر، إلا أن إعادة جدولة أعمال مجلس التحرير الوطني التابع للحزب، والذي قرر عقد اجتماع في اليوم ذاته عرقل التجمع المنشود.

من جهتها، قالت المجموعة التي يقودها مشار إنها ألغت التجمع المذكور، على إثر مناشدات أطلقها القادة الروحانيون داعين فيها إلى التصالح. إلا أن مجلس التحرير الوطني شرع بما تم التخطيط له مسبقاً دون ترك أي خيار لمشار غير حضور الجلسة الافتتاحية. إلا أن شعورهم بفشل خطاب سلفا كير في معالجة المخاوف المطروحة حملهم على المغادرة.

وفي الوقت ذاته، انتقل الارتياب بشأن طرق حل الصراع إلى أفراد جيش حركة التحرير الشعبي، فضلاً عن أولئك المنتمين إلى قبائل النوير الذين أحسوا باستهدافهم شخصياً على وجه الخصوص، وذلك لدى طرح مسألة تنفيذ قرار نزع سلاح الحرس الرئاسي. ويشار إلى أن الصراع قد نشأ أولاً بين هؤلاء قبل انتشاره إلى مقر الحزب شمالي جوبا، ومن ثم إلى باقي أرجاء المدينة.

وأشارت مصادر عدة إلى أن أغلب رجال الحرس الرئاسي الذين أرسلوا لإدارة الوضع في جوبا، ولم يتم نزع سلاحهم بعد، هم من قبائل الدنكا ومن منطقة بحر الغزال. ووصف مشار في تصريح صحافي أدلى به هذه القوات بأنها جيش الرئيس سلفا كير الخاص في وجه الحرس الرئاسي.

وعلى الرغم من أن عدد الضحايا المعلن رسمياً قُدر بنحو 450 شخصاً، إلا أن مصادر أخرى قدرته بأكثر من 600 قتيل وما يزيد على 1000 جريح. وذلك فضلاً عن الأعمال المروعة التي حدثت هناك، حيث وردت أنباء عن مشاهدة طفل تم سحقه حتى الموت بدبابة، بينما أورد رجل خبر سماعه إطلاق نار كثيفاً في منطقة معينة، والتي وجدت فيها جثة الرجل ملقاة على الأرض صبيحة اليوم التالي لمكالمته، في إشارة إلى استهدافه بعدها. كما أرسل رجل آخر بريداً إلكترونياً يخبر فيه بأن «الوضع في جوبا يتحول إلى عنف عرقي»، مضيفاً أن «رجالاً مسلحين يستجوبون الأفراد هناك بشأن ما إذا كانوا من قبائل النوير أو الدنكا، فإذا كان السائل من قبيلة تختلف عن قبيلة الشخص الذي تتم مساءلته فإن الأخير يتعرض لانتهاك جسدي يصل إلى القتل أحياناً».

وقد تم اعتقال معظم أفراد مجموعة مشار باستثنائه هو وتابان دينغ، الحاكم السابق لدولة الوحدة، وذلك لارتباطهم بالانقلاب الفاشل. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن مناصريهما ادعوا عدم وجود تخطيط مسبق للانقلاب، مشيرين إلى أن الاعتقالات جاءت على خلفية انتقادهم للرئيس.

حماية حقول النفط

إلا أن قائد جيش حزب حركة التحرير الشعبي بيتر ياك غاديت، الداعم لمشار رد على الأحداث في جوبا بالاستيلاء على كامل ولاية جونقلي التي تبعد عن شمالي العاصمة 100 كيلومتر تقريباً. وذلك إلى جانب استيلاء قوات أخرى حليفة لمشار على منطقة غاريسون شمالي جوبا. ويشكل غاديت الذي فقد أفراداً كثراً من عائلته في الصراع تهديداً لقوات سلفا كير، فضلاً عن رغبة الكثير من جنود حركة التحرير في الانضمام إليه.

وفي سياق متصل يشار إلى حدوث تطورات مشابهة في ولاية الوحدة، وولاية أعالي النيل، حيث تتركز حقول النفط. وتشكل هذه الحقول أهدافاً مباشرة لخنق جوبا اقتصادياً، ما ينذر بتشكيل صراع ينتشر على امتداد المنطقة. ويشكل استهداف حقول النفط هذه مثار قلق عميقاً للخرطوم شمال الحدود، الأمر الذي قد يدفعها إلى التدخل العسكري لحمايتها في حال لم تستطع جوبا فعل ذلك. وهو ما قد يغضب أهالي جنوب السودان وخاصة أولئك الموجودين في جوبا.

 

توازن القوى

برهنت التطورات الأخيرة في جنوب السودان على وجود فرصة لفتح حوار وتصالح داخل حزب حركة التحرير الشعبي، ما قد يسفر عن قبول الواقع الجديد المبني على توازن القوى، فضلاً عن تشكيل حكومة وحدة وطنية قبيل الانتخابات المقبلة عام 2015، إلى جانب الإفراج عن المعتقلين.

وبخصوص الوضع الراهن، يلزم أهالي جنوب السودان الذين لم يشردوا الحداد على موتاهم وعلى المتضررين من الصراع بدلاً من الاحتفال بعيد الميلاد المجيد. وقد كان الرئيس سلفا كير دائم الحديث عن مسؤوليته تجاه الوحدة والمصالحة. ويبتهل كثيرون من أجل ارتفاع الأخير ومشار إلى مستوى التحديات الحالية، ووضعهما البلاد على طريق السلام والاستقرار.