أخيراً تم إطلاق سراح رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة «يوكوس» النفطية ميخائيل خودركوفسكي، بمنحه عفواً رئاسياً، بعد إبقائه أكثر من 10 سنوات في السجن لأنه تجرأ على تحدي سلطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن سيكون من الخطأ رؤية هذا الأمر كتغيير في موقف الكرملين. وعلى الأرجح، وكما هو الحال بالعفو المقترح للناشطين المعتقلين من «غرين بيس» وفرقة «بوسي ريوت» النسائية، فإن ذلك عبارة عن بادرة محسوبة لأوتوقراطي يرى ميزة في أعمال عرضية من الكرم المفترض.
وبحسب معايير بوتين، فقد مر عليه عام جيد. فالولايات المتحدة بتراجعها في العالم، تنازلت لموسكو عن جزء من المواقع الرئيسية. وبوتين يريد أن يخدع نفسه بالتصديق أن روسيا هي المعادل لأميركا كقوة عظمى دولية. والعفو عن خودركوفسكي كان عملاً من أعمال شخص يرغب في التظاهر بأن روسيا لا زالت المعادل لأميركا.
نصر دبلوماسي
وكان التذبذب الغربي إزاء سوريا قد منح بوتين نصراً دبلوماسياً مهماً. والاتفاق على تدمير الأسلحة الكيماوية السورية شهد تنازلاً لواشنطن ببقاء الأسد في السلطة، وأرسل رسالتين أيضاً، هما أن الغرب لم يعد بمقدوره التخلص من قادة الشرق الأوسط من دون موافقة موسكو، وأن موسكو لا غنى عنها في أي جهد للتوسط في تسويات سياسية.
واتفاق الأسلحة الكيماوية خلص أوباما من وضع صعب مؤلم، لكن بوتين على الرغم من ذلك بدا الفائز. وبالنسبة لكثيرين على يمين السياسات الأميركية، فإن هذه الحادثة كانت برهاناً لتراجع سلطة أميركا في الشرق الأوسط.
وأقرب إلى الديار، قامت موسكو بإفساد اتفاق تعاون كان يمكن فيه لأرمينيا أن تتطلع غرباً إلى الاتحاد الأوروبي. وحتى الآن، على الرغم من بقاء احتجاجات كبيرة في شوارع كييف، يبدو بوتين أنه نجح أيضاً في التخريب على اندماج أوكرانيا مع جيرانها الغربيين. وفي كلتا الحالتين، نشر الكرملين مزيجاً من التهديدات والوعود.
والإكراه ربما كان له تأثير أكبر من الحوافز. وبنود اتفاق بوتين مع الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش المصاغة بلغة ملتبسة، تظهر أن السخاء المالي لموسكو سيأتي بشروط قاسية. وكان وزير الخارجية السويدي كارل بيكلت، محقاً في ملاحظته اللاذعة أنه مع بوتين فإن «سياسات الضغط الوحشية تحقق نجاحاً بوضوح».
ضعف استراتيجي
وغرور بوتين يلقي ستارة على ضعف روسيا. وفيما يتبختر بوتين، تنزلق روسيا أكثر في التراجع الاقتصادي. والضعف الاستراتيجي للبلاد تم توثيقه جيداً، ويتمثل بسكان موغلين في الشيخوخة متناقصي العدد، وبنى تحتية منهارة، واقتصاد غير عصري، وفساد مستشرٍ، وغياب حكم القانون. وهبوط أسعار النفط وتباطؤ النمو يعطي المشكلات وضعاً من الأهمية والإلحاح، وروسيا تقدم لأوكرانيا مليارات الدولارات التي لن يمضي وقت طويل حتى تصبح غير قادرة على تحمل تكاليفها. وهناك لحظات عندما يبدو بوتين أنه يقر بهذه الحقائق غير المستساغة.
اتهم أخيراً حكومته بالفشل في وقف تدفق رؤوس الأموال من البلاد، وطالب بمعاقبة الشركات الروسية على تحويل رؤوس أموالها إلى الخارج. وهنا ربما يكمن تفسير آخر لقرار إطلاق سراح خودركوفسكي. وسجن الأوليغارشي السابق كان تذكيراً مستمراً للمستثمرين المحتملين، الروس والأجانب على السواء، بأن ممتلكاتهم يمكن أن تصادر بناء على نزوة الكرملين. خودركوفسكي حر، لكن لم يتغير الكثير في روسيا.
عقلية قديمة
يرى الكرملين السياسة الخارجية باعتبارها لعبة خاسر مقابل رابح، مع بقاء حلف شمالي الأطلسي «ناتو» والاتحاد الأوروبي الخصمين الدائمين. وفي ظل هذه العقلية من أيام الحرب الباردة، فإن الاندماج الاقتصادي لأوكرانيا مع الغرب يشكل هزيمة لروسيا، كذلك إزالة الأسد في سوريا. كما أن التجارة الموسعة بين أرمينيا وأوروبا الغربية ستتزعزع تحت سيطرة الكرملين على المجال ما بعد السوفييتي.
