«النزعة الانعزالية الجديدة هي النتاج المباشر للعولمة الحمقاء. وبالمقارنة مع الذين اعتقدوا أن بإمكانهم التحكم بالكون، أو على الأقل بالعالم، أعتبر نفسي من الانعزاليين الجدد، وأنا فخور بذلك».
هذه ليست كلمات مؤيد لجماعة الضغط التي حثت الولايات المتحدة على عدم معارضة الفاشية في أوروبا أو دخول الحرب العالمية الثانية، وإنما تصريح لرمز المؤسسة الليبرالية والتر ليبمان في عام 1967، قبل سنة من إعلان تأييده للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون.
وكان نيكسون هو من حض على استمرارنا بما كنا نقوم به في فيتنام إلى النهاية في عام 1968، في حين طالب السناتوران يوجين مكارثي وروبرت كيندي بالتراجع والانسحاب السريع.
اليوم، عادت النزعة الانعزالية الجديدة التي ولدت من رحم تلك «العولمة الحمقاء» التي كتب عنها ليبمان إلى الظهور. وللمرة الأولى منذ بدء استطلاعات الرأي في عام 1964، هذا هو الشعور السائد في أميركا.
جذور الانعزالية
وليس من الصعب تبيان جذور الانعزالية الجديدة. فهناك أولاً نهاية الحرب الباردة، وتحرير دول أوروبا الشرقية، وانحلال خصمنا العظيم المتمثل بالإمبراطورية السوفييتية، وتفكك الاتحاد السوفييتي.
لكن الرئيسين الأميركيين السابقين بوش الأب والابن، إلى جانب الرئيس الأميركي بيل كلينتون، رفضوا ذلك.
بالتالي، سمحنا لتجمع النظام العالمي الجديد بالحصول على الوقت لتحقيق النجاح، وقمنا بغزو بنما، وتدخلنا في هايتي ومقديشو، وأطلقنا عملية «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت.
ثم جاء بعد ذلك رد الفعل السلبي على الحادي عشر من سبتمبر، وما تلا ذلك من حرب في أفغانستان للإطاحة بحركة طالبان، وإيجاد ديمقراطية جديدة في سلسلة جبال «هندو كوش»، ثم غزو العراق واحتلاله لتجريد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين من أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن لديه أصلاً، ثم الحرب الجوية على ليبيا.
قد يحتفي البعض بثمار تلك الحروب، لكن لننظر في التكاليف:
هناك عشر سنوات من النزيف مع مقتل 8000 أميركي وسقوط 40 ألف جريح وضياع تريليوني دولار، وتفكك العراق وليبيا عبر حروب قبلية وأهلية وطائفية، ووصول أفغانستان إلى شفير الهاوية، وانتشار تنظيم القاعدة الذي لم يعد يقتصر وجوده في تورا بورا، بل ينشط في باكستان وليبيا والعراق واليمن وسوريا.
وبينما كانت أميركا عالقة في تلك الحروب، كانت الصين تتغلب على بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان في تبوئها ثاني أكبر اقتصاد على وجه الأرض. وباستخدام فوائضها التجارية السنوية مع الولايات المتحدة التي تتراوح ما بين 250-300 مليار دولار، كانت تطبق على الموارد في جميع أنحاء أفريقيا وأميركا اللاتينية وأستراليا وآسيا.
التحدي الصيني
والآن، أعلنت بكين مبدأ مونرو الخاص بها ليشمل بحري الصين الجنوبي والصين الشرقي، وكل الجزر فيهما، في تحدٍ للولايات المتحدة في الهيمنة على غرب المحيط الهادي.
لننظر الآن فيما كانت أميركا منشغلة في القيام به أخيراً.
كانت مساعدة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند في كييف، تحرض المحتجين الذين يطالبون باستقالة الرئيس المنتخب في حال اختار اتحاداً جمركياً تقوده روسيا على حساب الاتحاد الأوروبي.
هل باستطاعة أي شخص أن يشرح لنا ما علاقة الولايات المتحدة بالضبط بشكل الاتحاد الاقتصادي الذي سيختار الأوكرانيون الانضمام إليه من عدمه؟
وفيما نحن ندفع كييف نحو الاتحاد الأوروبي، تنهض الأحزاب المحافظة والشعبوية في جميع أنحاء أوروبا لإخراج بلادها منه، بما في ذلك بريطانيا، حيث يطالب المحافظون بالاستفتاء على الموضوع.
وجون ماكين كان أيضاً في كييف يهدد بفرض عقوبات إذا ما قامت الحكومة بإخلاء ميدانها الرئيس من واضعي اليد عليه، بالطريقة نفسها التي قمنا بإخلاء حديقة «زوكوتي» من حركة «احتلوا وول ستريت».
إلى أي مدى بدونا منافقين في نظر العالم.
كيف يمكن لأمة في حالة تنافر أخلاقي وشلل سياسي كأمتنا أن تقود العالم؟ لا يمكنها ذلك. والشعب يشعر بما لا يمكن أن تراه النخبة. والقرن الأميركي ولى، وآن الأوان لاستعادة الجمهورية.
الشعور السائد
استناداً إلى استطلاع للرأي أخير، فإن 52 % من الأميركيين يعتقدون أنه "ينبغي على أميركا عدم التدخل في ما لا يعنيها على الصعيد الدولي، وأن تدع الدول الأخرى تسير الأمور على أفضل ما تقدر عليه من تلقاء نفسها". ونسبة 38 % فقط لم توافق على هذا الرأي.
وعندما سئل الأميركيون عما إذا كان يتعين على الولايات المتحدة أن تمعن التفكير بدرجة أقل "على أسس دولية، لكن أن تركز أكثر على مشكلاتنا الوطنية" وافقوا بنسبة 5 إلى 1. وكما يكتب ماكس فيشر في صحيفة "واشنطن بوست"، فإن هذا الشعور عبر عن نفسه على نحو حاسم في الانتفاضة ضد التدخل الأميركي في سوريا الصيف الماضي. بخطوط حمراء أو من دونها، وقال الشعب لأوباما لا نرغب في أن يكون لنا دور في الحرب الأهلية في سوريا. هذه ليست حربنا. واتفق أوباما في الرأي معهم متأخراً.
