مرت في تونس، أخيرا، الذكرى السنوية الثالثة لقيام محمد البو عزيزي بالتضحية بنفسه. وبعد ثلاث سنوات على تلك الحادثة، فإن الكثير من التفاؤل حول ما أصبح يعرف على نطاق واسع بـ "الربيع العربي" تحول إلى عدم يقين. لكن في سياق هذا القلق وعدم القدرة على التنبؤ، من الواضح أن التقلبات السياسية الهامة في المنطقة ستتواصل على الأرجح، وبالتأكيد ستحدث بعدد كبير من بقية دول العالم في عام 2014.

وإلى جانب شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كان هناك عدم استقرار سياسي كبير على الصعيد الدولي في السنوات الأخيرة. في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، نزل الملايين إلى الشوارع، وسقط الحكم في أكثر من نصف الدول الأعضاء الـ 27 للاتحاد الأوروبي، خلال الفترة من ربيع عام 2010 إلى 2012 وحدها. وفي صميم منطقة اليورو، فإن 11 من أصل 14 حكومة انهارت أو أطيح بها خلال تلك السنتين.

وكان الشيء الملفت أكثر للنظر هي الثورات السياسية والانتفاضات الشعبية في الاقتصادات الناشئة. وهذه تمتد من الاحتجاجات الحالية في أوكرانيا، وتظاهرات شهر يونيو في البرازيل، إلى التطورات الملحوظة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب الأهلية في سوريا، والتغيرات الثورية في السلطة في كل من مصر وتونس وليبيا، وانتقال السلطة في اليمن، بالإضافة إلى التظاهرات والانتفاضات في بلدان أخرى في المنطقة.

عوامل مختلفة

وعلى الرغم من اختلاف طبيعة عدم الاستقرار السياسي، من ريو دي جانيرو إلى أثينا والقاهرة، إلا أنه وصفت من جانب مدير العمليات السابق في جهاز المخابرات السرية البريطاني، السير نايغل انكستر بانها "موجة ثورية" مثل موجة عام 1848. وقارن آخرون الأوضاع بعام 1914، و1968 و1989.

ومهما كانت صحة هذه المقارنات التاريخية، فإنه من الواضح أن "الموجة" الحالية من التقلبات كانت تقودها مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي لعبت دورا بطرق متباينة في أنحاء العالم.

في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، كان دور الانكماش الاقتصادي والتقشف منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2008 رئيسيا، لا سيما في تلك الدول الأكثر تأثرا بالأزمة في منطقة اليورو، مثل اليونان وإسبانيا. لكن الاضطراب كان يتصل أيضا بالقلق الموجود أصلا لدى الأحزاب والأنظمة السياسية الأوروبية الراسخة.

وعلى النقيض من ذلك، نبعت الاحتجاجات في الشرق الأوسط، في معظم الأحيان، من سخط سياسي واقتصادي واجتماعي عميق الجذور أساساً، وهذا كان قائما لسنوات عدة. لكن بعد عام 2008، أدت عوامل أخرى إلى مفاقمة تلك المظالم طويلة الأمد، بما في ذلك أزمات السيولة، والزيادات في أسعار المواد الغذائية، والارتفاعات في معدل البطالة.

دور تخريبي

والسؤال الأساسي هو ما إذا كانت حالة عدم الاستقرار السياسي في العالم ستتراجع في السنوات المقبلة، خاصة إذا ما ترسخ الانتعاش الاقتصادي في دول كثيرة. وفيما يعد هذا الأمر ممكنا، فإنه من المرجح أن تستمر الاحتجاجات والانتفاضات لمجموعتين من الأسباب، على أقل تقدير.

أولا، هناك بعض العوامل التي لا علاقة لها بتاتا بالمرحلة التي تلت الأزمة المالية لعام 2008، ستدوم، إن لم تزداد حدتها. وهذه العوامل تشمل الدور التخريبي لوسائط الإعلام الاجتماعي.

ولا يزال هناك سجال حول مدى أهمية وسائط الإعلام الاجتماعي كأداة في إثارة عدم الاستقرار السياسي ،في السنوات الأخيرة، ليس أقله في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن سواء أكان المرء يرى في تلك التكنولوجيا الجديدة عنصرا أساسياً في ترجمة السخط إلى تحرك ملموس، أو في إبراز ما كان محتوما بالفعل، فإن تلك التكنولوجيا لعبت بلا شك دورا معززا من المرجح أن يزداد.

ثانيا، حتى لو انتهت الآن النتائج الأسوأ للأزمة المالية لعام 2008، فان عواقبها ستستمر، لاسيما بالنسبة للأعداد المتزايدة من الشباب العاطلين عن العمل، مما سيعرض عددا كبيرا منهم لخطر إصابة إيراداتهم المحتملة وفرص عملهم بالضرر على المدى الطويل، وهذا سيثير مشاعر السخط لديهم.

وطبعا، قد تتراجع حالة عدم الاستقرار السياسي العام إذا دخل الاقتصاد العالمي في انتعاش مستدام. ومع ذلك، لا زالت هناك احتمالات كبيرة لتقلبات سياسية. وفيما تختلف الظروف من بلد إلى آخر، فإن عدم الاستقرار من المحتمل أن يشعله ليس فقط تركة الأزمة المالية لعام 2008، مثل ارتفاع البطالة بين الشباب، ولكن أيضا السخط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الذي بات له فترة أطول، والذي ستمنحه وسائط الإعلام الاجتماعي دفعة جديدة.

مشكلة حادة

يقدر أن نسبة 24.4% من الأشخاص ما دون 25 عاما في الاتحاد الأوروبي، غير قادرين على إيجاد عمل، وهذه النسبة تعد قياسية، وأدت إلى حالة من القلق، بما في ذلك قلق المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بشأن "جيل ضائع"، وخاصة في البلدان حيث البطالة بين الشباب تصل تقريبا إلى نسبة 60%، مثل اليونان وإسبانيا. وكما هي الحال في أوروبا، فإن البطالة بين الشباب في عدد كبير من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي فوق 50%، ويقدر أن معدل متوسط المنطقة يمكن أن يزيد عن نسبة 30% في غضون خمس سنوات. وفي الشرق الأوسط، تعد المشكلة حادة لأنه لدى المنطقة أكبر زيادة في أعداد الشباب في العالم من المتعلمين. لكن ككل، من السابق لأوانه الزعم، كما فعل البعض، بأننا دخلنا حقبة جديدة من الثورة العالمية، وجدت لتبقى.