يرغب الصحافيون الأجانب الذين يكتبون عن تركيا في التركيز على الانقسام الأكبر في المجتمع التركي، أي الخلاف بين المحافظين المتدينين والعلمانيين. لكن خلافا داخليا يستعر الآن بين المحافظين أنفسهم، ويمكن أن يكون هذا نعمة للديمقراطية التركية.
فمن جهة، هناك أنصار رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، الذي يقضي سنته الحادية عشرة في السلطة، ويواجه انتقادات متزايدة لأسلوبه الاستبدادي في الحكم. ومن الجهة المقابلة، هناك انصار فتح الله غولن، العالم والخطيب الإسلامي الذي يعيش حاليا في بنسلفانيا بالولايات المتحدة، والذي ألهمت تعاليمه مجموعات المجتمع المدني الأقوى في تركيا.
حتى سنوات قليلة، كان حزب العدالة والتنمية التركي التابع لأردوغان وحركة غولن حليفين مقربين جدا. كان لديهما عدو مشترك، هو الجيش العلماني القوي، الذي هدد المحافظين المتدينين والديمقراطية ذاتها على حد سواء، بعد أن نظم أو هدد بتنظيم عدد من الانقلابات. وعدد كبير من الليبراليين العلمانيين في تركيا انضم إلى هذا التحالف، بأمل أن يقرب ترويض الجيش تركيا من الديمقراطية الليبرالية على النمط الأوروبي.
لكن ما أن تم إخضاع العسكر في عام 2010-2011، حتى بدأ التحالف بين أنصار أردوغان، واتباع غولن والليبراليين في التهاوي. وتدريجيا، سحب معظم الليبراليين تأييدهم لأردوغان، بحجة انه بدأ في تقليد العادات الاستبدادية لأسلافه.
وفي الوقت نفسه، بدأت الاختلافات بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن تطفو على السطح.
جانب معقد
وعلى عكس الإسلاميين الذي يشكلون عبئا نافذا داخل حزب العدالة والتنمية، فان اتباع غولن لطالما قيموا إيجابيا علاقات تركيا مع الغرب، ودافعوا عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي المقابل، فان بعض الإسلاميين الأتراك المصابين بجنون الارتياب وحتى بعض القوميين العلمانيين، اتهموا غولن بانه "عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية".
لكن هناك جانبا آخر ينطوي على المزيد من التعقيد، حيث يعرف عن حركة غولن أن لديها أعضاء كثرا داخل القضاء والشرطة في تركيا. وكثيرون يعتقدون أن "هذه الدولة داخل الدولة" بدأت في التصرف بشراسة ضد خصومها، بما في ذلك قادة الجيش العلمانيين، وبعض الصحافيين، والانفصاليين الأكراد، مما أدى إلى العديد من الاعتقالات المثيرة للجدل.
وهذه التوترات وصلت إلى ذروتها في فبراير 2012، عندما استدعى المدعي العام في إسطنبول حقان فيدان، رئيس وكالة الاستخبارات في تركيا، للتحقيق معه بشان مفاوضاته السرية مع المسلحين الأكراد.
وفيدان هو من المقربين رفيعي المستوى من أردوغان، وحاول التوسط مع المسلحين في صفقة سلام بناء على أوامر أردوغان، ولقد نظر رئيس الوزراء إلى خطوة المدعي العام كهجوم شخصي عليه. ومرر على عجل قانونا أعطى الحصانة لفيدان، وحول أنظاره مستهدفا حركة غولن، التي يعتقد أنها كانت وراء الهجوم على فيدان.
بدأ أردوغان بعملية تطهير داخل الشرطة والقضاء، وخفض مناصب أعضاء مشتبه بانتسابهم لحركة غولن.
والتداعيات السياسية قد تكون كبيرة، ذلك أن أردوغان خسر التأييد الذي لا يتزحزح لحركة غولن، حيثث تقدر قوة التصويت للحركة بحوالي 2-5% من نسبة الناخبين في تركيا. وسوف تكون هناك عواقب في الانتخابات المحلية المقبلة، والانتخابات الرئاسية في يونيو 2014. وعلى الرغم من أن كل المجموعات الدينية الأخرى تبدو موالية لأردوغان، فان نقص الأصوات المؤيدة له من جانب غولن يمكن أن يرجح كفة الميزان لصالح مرشحين آخرين.
من المفيد للديمقراطية التركية أن لا يكون كل المحافظين المتدينين متحدين تحت راية واحدة. وبفضل الخلاف بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن، فان وسائل الإعلام التركية هي اكثر تنوعا.
خلاف مفيد
تعدت الدولة التركية على حقوق وسائل الإعلام والجامعات والمنظمات غير الحكومية وأرواح المواطنين البسطاء. وأصبحت عبارة عن "وحش" يفترض ترويضه. وإذا كانت تركيا محظوظة، فان الخلاف بين أردوغان وحركة غولن قد يساعد في جلب البلاد إلى توازن ديمقراطي حيث امتيازات الدولة وحقوق المجتمع المدني والأفراد يمكن موازنتها بصورة صحيحة.
