أكد المفكر الأميركي نعوم تشومسكي أن نقاش خيار الدولة الواحدة /خيار الدولتين كحل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي عملية إلهاء لا غير، بل أنها تمنح إسرائيل الوقت للقيام بما تقوم به حالياً من استيلاء على كل ما له قيمة في الضفة الغربية ودمجها بشكل أوثق بإسرائيل، ورأى في مقابلة أجرتها معه صحيفة "أفجي" اليونانية إن الهيمنة الأميركية على العالم في تراجع منذ عام 1945، لكن دون منافس في الأفق، وأنه نتيجة لذلك، فإن تهديدها للأمن والسلام حقيقي.
وفي ما يلي نص الحوار:
* فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، قلت دوماً إن نقاش خيار الدولة الواحدة/ الدولتين خارج الموضوع قيد البحث.
تشومسكي: قلت ذلك لأن نقاش الدولة الواحدة/ الدولتين ليس خياراً، بل هو أسوأ من ذلك، إنه إلهاء عن الواقع.
والخياران الفعليان هما إما خيار الدولتين، أو الخيار الثاني وهو استمرار إسرائيل في القيام بما تقوم به حالياً بدعم أميركي، أي إبقاء قطاع غزة تحت حصار ساحق مفصول عن الضفة الغربية، والاستيلاء بشكل منهجي عما تجده إسرائيل ذي قيمة في الضفة الغربية، فيما تقوم بدمج الضفة الغربية على نحو أوثق بإسرائيل، بالاستيلاء على المناطق حيث لا يكثر فيها الفلسطينيون، مع طرد الموجودين هناك بهدوء.
والمعالم واضحة تماماً من خلال برامج التنمية والترحيل.
وأخذاً في الاعتبار الخيار الثاني، فإنه لا يوجد سبب لماذا ينبغي أن توافق إسرائيل وأميركا على اقتراح الدولة الواحدة، الذي لا يحظى بدعم دولي في أي موقع آخر.
وما لم يتم التعرف على حقيقة الوضع المتحول هذا، فإن الحديث عن دولة واحدة (حقوق مدنية/نضال ضد الفصل العنصري، "المشكلة الديمغرافية" الخ..) هو مجرد عملية إلهاء، يوفر دعماً ضمنياً للخيار الثاني. وهذا هو المنطق الرئيسي الذي يسيّر الأوضاع، سواء شئنا أم أبينا.
مبدأ المافيا
* تبقى الولايات المتحدة إمبراطورية عالمية، وتعمل برأيك على أساس "مبدأ المافيا"، بمعنى أن العراب لا يتسامح مع أي "تحد ناجح له". هل الإمبراطورية الأميركية في انحدار، وإذا كان هذا صحيحاً، فهل تشكل تهديداً أعظم للسلام والأمن العالميين؟
تشومسكي: وصلت الهيمنة الأميركية على العالم إلى ذروتها بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ عام 1945، وكانت تتراجع بثبات منذ ذلك الحين، على الرغم من أنها تبقى عظيمة جداً. وعلى الرغم من أن هذه القوة تصبح أكثر تنويعاً، إلا أنه لا يوجد منافس وحيد لها في الأفق.
ومبدأ المافيا التقليدي يجري استدعاؤه باستمرار، ولكن القدرة على تطبيقه أصبحت مقيدة بدرجة أكبر. والتهديد للسلام والأمن حقيقي جداً. لنأخذ مثالاً واحداً على ذلك، حملة أوباما بالطائرات الموجهة عن بعد التي تعد العملية الإرهابية الأوسع نطاقاً والأكثر تدميراً الجارية حالياً.
وأميركا ووكيلها الإسرائيلي ينتهكان القانون الدولي مع الإفلات التام من العقاب. وتقرير مراجعة الوضع النووي للولايات المتحدة الأخير (2010) أصبح أكثر عدوانية في لهجته من المراجعات السابقة، وهذا تحذير لا يمكن تجاهله.
* تزعم الأيديولوجية "الليبرالية الجديدة" أن الحكومة تشكل عائقاً، والمجتمع غير موجود، والأفراد مسؤولون عن مصيرهم. لكن المؤسسات الرأسمالية الكبرى والأغنياء يعتمدون على تدخل الدولة للحفاظ على سيطرتهم على الاقتصاد. فهل "الليبرالية الجديدة" مجرد بناء أيديولوجي؟
تشومسكي: مصطلح "الليبرالية الجديدة" مضلل قليلاً. والمبادئ ليست جديدة وهي ليست ليبرالية. والشركات الرأسمالية الكبرى والأغنياء يعتمدون بشكل كبير على ما يطلق عليه الاقتصادي دين بيكر "الدولة المحافظة الحاضنة الحامية" التي يعملون على تعزيزها.
وهذا الأمر ينطبق بشكل كبير على المؤسسات المالية. وتنسب دراسة أخيرة لصندوق النقد الدولي أرباح المصارف الكبرى كلياً تقريباً إلى السياسة الحكومية الضامنة لها ضمناً (سياسة تلك المصارف كبيرة إلى درجة لا يمكن السماح بفشلها)، وهذه لا تقتصر على عمليات الإنقاذ التي جرت المجاهرة بها على نطاق واسع فحسب، وإنما أيضاً في الوصول إلى القروض الرخيصة، ومعدلات التنصيف الائتماني المواتية.
وينطبق الشيء نفسه على الاقتصاد المنتج. وثورة تكنولوجيا المعلومات، التي تشكل القوة الدافعة لها حالياً، اعتمدت بشكل كبير على البحوث والتطوير والمشتريات التابعة للدولة وغيرها من الأجهزة الحكومية.
تفاوت واضح
لا تعد "الليبرالية الجديدة" أو نسختها السابقة أسطورتين رائعتين، وبالتأكيد ليستا كذلك بالنسبة لضحاياها. والمؤرخ بول بايروخ كان ضمن من أظهروا أن "الليبرالية الاقتصادية المفروضة على العالم الثالث في القرن التاسع عشر شكلت عنصراً رئيسياً في تفسير تأخر عملية التصنيع في تلك البلدان".
والمبادئ الليبرالية "أسطورة رائعة" بدرجة كبيرة للأغنياء والأقوياء الذين يبتكرون وسائل عدة لحماية أنفسهم من قوى السوق، لكنها ليست كذلك بالنسبة للفقراء والضعفاء الذين يخضعون لويلاتها.
واعتقد أن البقاء الإنساني على نحو لائق على المحك. وأولى الضحايا كالعادة هم الأضعف. وهذا الأمر كان واضحاً إلى حد كبير من النتائج المحدودة للقمة العالمية بشأن تغيير المناخ في وارسو أخيراً. والتوقعات كلها تشير إلى استمرار هذا الوضع.
