حصلت وزارة العدل الأميركية، أخيراًَ، على وثائق تظهر أن أكبر مصرف في "وول ستريت"، وهو "جي بي مورغان تشيس"، كان يوظف أبناء النخبة الحاكمة في الصين، بهدف تأمين "فرص أعمال قائمة ومحتملة" لدى الشركات التي تديرها الحكومة الصينية. ويقول أحد المديرين التنفيذيين في المصرف، في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "تعملون جميعاً أنني كنت دوماً مؤمناً ببرنامج المصرف المسمى (الأبناء والبنات)، لأنه ينطوي على "علاقة تناسب طردي" تحقق لنا الفوز بمهام تقديم نصائح للشركات الصينية. والوثائق تضمنت جداول بيانات بـ "سجل" المصرف في تحويل تلك الوظائف إلى صفقات تجارية.

وهذا جرم خطير. لكن دعنا نكون واقعيين. إلى أي حد تختلف رشوة "الأمراء الصغار" الصينيين، كما تجري تسميتهم في أميركا، عن برنامج "وول ستريت" الجاري حالياً بالتعاقد مع مسؤولين غادروا وزارة الخزانة الأميركية، فيما يفترض أنه لتسيير الأمور بسلاسة مع الجهاز الرسمي في واشنطن؟ فأول وزير خزانة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، تيموثي غايثنر، هو الآن رئيس شركة الأسهم الخاصة "واربرغ بينكوس"، كما أن مدير الميزانية لأوباما بيتر أورزاغ، هو الآن مسؤول تنفيذي كبير في "سيتي غروب".

فساد متفشي

وفي هذا الإطار، إلى أي حد يختلف ما قام به مصرف "جي بي مورغان" في الصين، عما اعتادت على القيام به "وول ستريت" بتوظيف أبناء السياسيين الأميركيين النافذين؟ وكيف يعتبر جرم "جي بي مورغان" المفترض في الصين، أسوأ بكثير من سيل الأموال التي يصبها هذا المصرف وكل مصرف رئيس آخر في "وول ستريت" في صناديق الحملات الانتخابية للسياسيين الأميركيين، ما جعل "وول ستريت" أحد الداعمين الرئيسيين للحزبين الديمقراطي والجمهوري؟

لكن قانون "الممارسات الأجنبية الفاسدة" الذي يمكن بموجبه اتهام "جي بي مورغان" صريح جداً. وهو يحظر على الشركات الأميركية دفع الأموال أو تقديم أي شيء ذي قيمة للمسؤولين الأجانب بغرض "تأمين أي ميزة غير لائقة مخلة بالآداب".

ولم يتمكن "جي بي مورغان" من الدفاع عن نفسه حتى بالقول إنه لم يعقد أي صفقة معينة أو يحصل على أي ميزة محددة نتيجة لهذه التعيينات الوظيفية. وبموجب القانون أيضاً، فإنه ليس من الضروري أن تكون الهدية مرتبطة بأي منفعة خاصة للشركة الأميركية، طالما أن القصد منها توليد ميزة لا يتمتع بها منافسو تلك الشركة.

وبالمقارنة بذلك، فإن فساد المسؤولين الأميركيين لا يسبب القلق. لنأخذ، على سبيل المثال، برنامج الإقراض السخي لشركة "كونتريوايد فايننشال"، الذي يطلق عليه "أصدقاء أنجيلو"، تيمناً باسم المدير التنفيذي للبرنامج، أنجيلو موزيلو، والذي أعطى قروضاً عقارية لأعضاء نافذين في الكونغرس وطاقمهم من الموظفين، قبل انفجار فقاعة القروض السكنية، فإنه لم يجر توجيه اتهامات جنائية أو مدنية ذات صلة بتلك القروض أبداً.

قرار مخزٍ

وحتى قبل اتخاذ القرار المخزي "مواطنين متحدين" من جانب المحكمة الأميركية العليا في عام 2010 مساوياً بين الشركات والبشر بموجب التعديل الأول في الدستور، وكافلاً الحماية لعمليات الإنفاق السياسي للشركات بصورة كبيرة - قام الجمهوريون المعينون في المحكمة بكل ما في وسعهم لإضعاف قوانين مكافحة الرشوة في الولايات المتحدة.

في عام 1999، وفي قضية "الولايات المتحدة مقابل صن-دايموند غروورز"، وهي جمعية تجارية زراعية، فإن القاضي انتونين سكاليا، في حيثيات الحكم، فسر قانون مكافحة الرشوة بشكل فضفاض للغاية، ليسمح للشركات بتقديم هدايا للموظفين الحكوميين، ما لم تكن تلك الهدايا مرتبطة بسياسات محددة.

ونحن لا نلزم الشركات الأميركية حتى بالكشف للمساهمين فيها عن الأموال الممنوحة من جانب تلك الشركات إلى السياسيين الأميركيين. في العام الماضي، عندما أصدرت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لائحتها المثيرة للجلبة، أشارت إلى أنها قد تقترح رسمياً قانوناً يلزم الشركات بالإفصاح عن إنفاقها السياسي. لكن الفكرة اختفت في ظروف غامضة من أجندة 2014 التي صدرت أخيراً، دون تفسير.

ثم لماذا لا يكون هناك قانون للممارسات المحلية الفاسدة أيضاً، إلى جانب هذا القانون الخاص بالممارسات الأجنبية الفاسدة؟ فالفساد هو نفسه، والرشوة هي نفسها، في أي بلد أو لغة يجرى التعامل بها.

 

استجابة قياسية

فكرة اقتراح قانون يلزم الشركات بالإفصاح عن إنفاقها السياسي من قبل لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، جذبت أكثر من 600 ألف تعليق، معظمها إيجابي، من الجمهور، في استجابة قياسية.

لكن الفكرة اختفت في ظروف غامضة من أجندة 2014 دون تفسير. ويعتبر قانون "الممارسات الأجنبية الفاسدة" قانوناً مهماً، وينبغي فضح مصرف "جي بي مورغان" وملاحقته لرشوته مسؤولين صينيين.

لكن لماذا لا يوجد هناك قانون للممارسات المحلية الفاسدة أيضاً؟ ذلك أنه لم يحدث من قبل أن صبت شركات أميركية، بالإضافة إلى "وول ستريت"، هذا الكم من الأموال في العاصمة الأميركية، كما في عواصم الولايات الأميركية.

ولم يسبق من قبل أن تولى هذا العدد الكبير من المسؤولين في واشنطن وظائف في الشركات التجارية، وشركات جماعات الضغط، والجمعيات التجارية، وداخل "وول ستريت"، بعد مغادرتهم مناصبهم مباشرة.