تقدمي في القضايا الاقتصادية والاجتماعية ومحافظ في شؤون الحزب

جينبينغ براغماتي مثله الأعلى دينغ شياو بينغ

جينبينغ يعبر عن أجندة تستقطب اهتمام العالم أرشيفية

على مدى العام الماضي، منذ أن بات مؤكدا أن شي جينبينغ أصبح الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، كان السؤال الكبير هو: هل يعتبر جينبينغ زعيما إصلاحيا؟ والآن، بعد انعقاد الدورة العامة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب، فقد بات لدينا جواب عن هذا السؤال، وهو ليس بالنفي ولا بالإيجاب.

ومن دون شك، فان الدورة الأخيرة تمهد لإجراء إصلاحات في النظام بأسره في سعيها لتحويل الاقتصاد والمجتمع الصيني. وستأتي التفاصيل في وقت لاحق، كما سيستغرق التنفيذ سنوات عدة ، لكن الإصلاحات الرئيسية، مع ذلك، تعد سياسة وليست خطباً في النهاية. والالتزام الذي لا لبس فيه لجينبينغ هو أن السوق هي التي يجب أن تقود الاقتصاد..

فيما يتراجع دور الحكومة إلى مجال التنظيم والإشراف، وأنه لدى المزارعين والعمال المهاجرين حقوق متساوية وتكافؤ في الفرص، وينبغي "تعميق" إصلاحات النظام القضائي. وعدم قيامه بسن بعض الإصلاحات، لاسيما كسر احتكارات الشركات المملوكة للدولة، ينبغي النظر إليه من عدسة النفعية السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، في أوائل السنة الأولى من توليه المنصب بدا جينبينغ كما لو أنه يعبر عن أجندة ليبرالية: الحد من التبذير العام، والإشادة بدستور يحمي الحقوق في الصين (لكن بعيد الصلة بالواقع إلى حد كبير)، واقتراح شكل من أشكال الاستقلال القضائي. كما دعم رئيس مجلس الدولة لي كيكيانغ أخيرا في تأسيس منطقة تجارة حرة في شنغهاي.

التفاؤل والتشاؤم

لكن مشاعر الأمل والتفاؤل الاستهلاليين بين أوساط الليبراليين تراجعت إلى مزيد من الاستياء والتشاؤم، مع تشديد الصين القيود على وسائل الإعلام، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، واعتقال النشطاء الليبراليين، والنهي عن مناقشة "القيم العالمية" مثل المجتمع المدني والاستقلال القضائي وحرية الصحافة.

وفي الخطب الداخلية، استخدم جينبينغ انهيار الاتحاد السوفييتي والإطاحة بالحزب الشيوعي السوفييتي باعتبارهما دراسة حالة بما لا يجب أن يأذن الحزب بحصوله. وبالتأكيد، فإن جينبينغ لن يكون "غورباتشوف الصين".

وما يثير أشد القلق، ربما، هو أن جينبينغ بدا كما لو أنه يتبنى الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ: من خلال زيارته لأضرحة ماو، وتبنيه حملات "التصحيح" و"الخط الجماهيري" لماو، ودفاعه عن قيادة ماو (عدم سلبيته تجاه السنوات الثلاثين قبل الإصلاح الاقتصادي لدينغ شياو بينغ)، ومقاومته "العدمية التاريخية" (تقييد إدانته لماو بأوهام هذا الأخير الشنيعة، لاسيما الحملات السياسية الجماهيرية التي روعت الملايين).

كيف يمكن، بالتالي، مواءمة "جينبينغ المقاوم للإصلاح" مع "جينبينغ الإصلاحي" الذي شاهدناه أخيرا؟ يقول أحد الوزراء المثقفين الذي سبق أن عمل مع جينبينغ، إن هذا الأخير ليس مصلحا ولا غير مصلح، بل إنه براغماتي مثل الزعيم الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ".

وهذا يبدو صحيحا. فالزيارة الأولى لجينبينغ خارج بكين بوصفة زعيم الصين كانت إلى مقاطعة شينزن حيث بدا انه يسير على خطى جولة دينغ الجنوبية الشهيرة في عام 1992 التي أعادت تنشيط الإصلاحات بعد الركود في أعقاب مأساة تيانانمين في يونيو 1989.

مواقف متناقضة

وجينبينغ مقتنع بأن استمرار حكم الحزب أمر ضروري بالنسبة للصين في سبيل تحقيق أهدافها التاريخية، ويعتقد انه إذا ما أطيح بماو من عليائه، فإن أسس الحزب سوف تتصدع وربما تنهار، وأنه من صالح الصين الحفاظ على إرث ماو. بالتالي، هل جينبينغ "يشير إلى اليسار فيما ينعطف يمينا" كما يفيد القول المأثور بدينغ. والاعتقاد السائد هو أن الجواب لا زال غامضا..

ويمكن الآن في أعقاب الدورة العامة الثالثة، أن نعرف من هو جينبينغ وما يؤمن به فعلا. لنأخذ ما يقوله في الظاهر، ثم لنعمل على مواءمة تلك المواقف التي تبدو متناقضة في الظاهر مع فلسفته السياسية الأهم شانا، والتي وصفها جينبينغ "بالحلم الصيني".

وجينبينغ بطبيعته يميل إلى تحقيق الهدف وليس مقيدا برؤية أيديولوجية. ويعتقد أن الحزب يجب أن يستمر في كونه الحزب الحاكم، وأنه لا يمكن استبعاد أية إجراءات من أجل ضمان سيطرته على الأوضاع. بالتالي، هل يعد جينبينغ زعيما إصلاحيا؟ ما نعرفه هو أنه براغماتي، ومثاله الأعلى دينغ. وهو تقدمي في القضايا الاقتصادية والاجتماعية ومحافظ في المجال السياسي وشؤون الحزب.

وما لا نعرفه عن جينبينغ هو الآتي: ماذا سيفعل إذا تبين له خلال عقد من وجوده في القيادة أن سيطرة سياسية مشددة لم تعد الخيار الأمثل لتنمية الصين؟ ولمعرفة ذلك، سيترتب علينا الانتظار ربما حتى منتصف فترة ولايته الثانية، بعد مؤتمر الحزب التاسع عشر في عام 2017.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات