ترحيب عالمي بتغييره ملامح المشهد السياسي

الاتفاق النووي مع إيران إنجاز للدبلوماسية

الاتفاق الذي أبرم بين إيران والدول الست الكبرى بشأن البرنامج النووي لطهران ،أخيرا، كان تاريخياً، على الرغم من السحابة الخفيفة العالقة بين التحفظات والاحتمالات، وهو من نوع الاتفاق الدبلوماسي الذي يغير المشهد السياسي، ويجبر بعض المتعنتين على الأقل على تغيير مواقفهم، ويفسح المجال لفرص جديدة كانت قد بدت في السابق بعيدة المنال وميؤوساً منها.

وجوهر الاتفاق المؤقت هو أن إيران وافقت على وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم بنسب تفوق نسبة 5% ( في انتظار تسوية نهائية يتم التفاوض بشأنها في غضون الأشهر الستة المقبلة) في مقابل تخفيف بعض العقوبات، التي تشير التقديرات إلى أن قيمتها ستبلغ 7 مليارات دولار بالنسبة لإيران (وهو رقم متواضع بالنسبة إلى الولايات المتحدة).

بالإضافة إلى ذلك، وافق الإيرانيون على البدء بتحويل اليورانيوم المخصب إلى درجة تجعله غير قابل لإنتاج سلاح نووي، وزيادة وتيرة التدخل وعمليات التفتيش، وتعليق العمل في مفاعل أراك الذي يوفر مادة البلوتونيوم، ووقف تطوير أجهزة الطرد المركزي ،التي من شأنها زيادة سرعة التخصيب وكفاءته بشكل كبير.

آراء متباينة

في البداية، أشارت بعض التقارير إلى وجود تباين واضح في وجهات النظر بعد توقيع الاتفاق، ذكر الإيرانيون أن الاتفاق يعترف بحق طهران في تخصيب اليورانيوم، في حين أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول كانت تقول إنه لم يفعل شيئا من هذا القبيل. وكما هي الحال مع حالات الغموض الدبلوماسي الكثيرة، فإن كلا وجهتي النظر على حق وكلاهما خطأ. ولا يظهر كلام في الاتفاق يحوي تلك المفردات، لكن الاتفاق يوفر لإيران إمكانية مواصلة التخصيب ما دون مستوى 5% (بما يتفق مع الأغراض السلمية)، ووفقا لشروط التسوية النهائية التي لا يزال يتعين التفاوض بشأنها.

ثم سرعان ما تبين أن المفاوضين الإيرانيين لديهم الدعم الكامل للشروط التي وافقوا عليها، فالرئيس الإيراني حسن روحاني، بل الأهم من ذلك، المرشد الأعلى أية الله علي خامنئي أعلنا بسرعة ترحيبهما بالاتفاق. وقال خامنئي: "يعود هذا النجاح إلى نعمة الرعاية الإلهية ودعم الشعب الإيراني".

وعاصفة الرفض للاتفاق من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو سوف تساعد أيضا في تهدئة المعارضة داخل إيران. أما الرئيس الأميركي باراك أوباما، فكان قد قرر أن بإمكانه مواجهة المعارضين في المنطقة، لكن سيتعين عليه أيضا إقناع الكونغرس وغيره بإعطاء هذه العملية فرصة للنجاح، وعدم فرض عقوبات جديدة. وتحقيقا لهذه الغاية، يعمل كل من أوباما وزملاؤه على تقديم الاتفاق باعتباره "خطوة أولى" لوقف وعكس البرنامج النووي الإيراني. وسيكون بالتأكيد مفيدا لأميركا أن تتجنب أي جنوح نحو الزهو بالانتصار، لكن الاتفاق يمثل بالفعل تقدما حقيقيا باتجاه جعل المشروع النووي الإيراني بمأمن من الخطر.

اعتراف دولي

والاتفاق موقع من قبل سبعة وزراء خارجية تابعين للبلدان الأكثر أهمية في العالم، وهو يدل مع ذلك أيضا على الاعتراف الدولي بإيران كقوة نووية كبرى.

وأحد الجوانب المهمة لهذا الاتفاق هو أن كلاً من إيران والولايات المتحدة تراجعتا عن مواقف التعنت والمواجهة والتصعيد. كان بإمكان الإيرانيين أن يحافظوا على رفضهم لأي نوع من التنازلات أو القيود على برنامجهم النووي، مع قبول ثمن العزلة والأضرار الاقتصادية الجسيمة للعقوبات، وجعل الحياة بائسة بالنسبة لشعبهم. وكان بإمكان الولايات المتحدة مواصلة خطها القائل "لا تخصيب، لا يمكن الوثوق بإيران"، وزيادة ضغط العقوبات باطراد إلى الحد الذي تبقى فيه العقوبات العسكرية هي العقوبات الوحيدة التي لم يتم تطبيقها.

ومن الخطأ أن يشير نتانياهو أو أي شخص آخر إلى أن هذا كان المسار الصحيح. ولا زال بإمكان الأوضاع أن تسير في الاتجاه الخطأ، لكن، مع ذلك، ينبغي أن يكون من الصائب إعطاء بذور الثقة والدبلوماسية الرقيقة فرصة للنجاح. والأمر ينطوي على مخاطرة وشجاعة، لكنه من نوع المخاطرة الذي يدفع للسياسيين من أجل اتخاذه في نهاية المطاف.

بعد عقد ونصف من حروب التدخل، فإن لدى الجنود الأميركيين والبريطانيين وغيرهم من الجنود في الخدمة وعائلاتهم الحق في مطالبة الدبلوماسيين والسياسيين باستنفاد كل سبل التفاوض قبل اللجوء إلى الخيارات العسكرية.

ضمانات

 

في المحادثات المستمرة بشأن البرنامج النووي الإيراني، سوف يتطلع الإيرانيون إلى أقوال واضحة تشير إلى حقهم في تخصيب اليورانيوم، والدول الست سوف تتطلع إلى ضمانات متشددة لمنع الإيرانيين من الانخراط في تطوير يتعلق بالأسلحة النووية. والولايات المتحدة من دون شك، ستتطلع إلى التزامات جديدة من جانب الإيرانيين بتليين مواقفهم من إسرائيل.

وفي هذه الأثناء، لا ينبغي لنا أن نغفل الوضع السياسي الداخلي في ايران. ففي نهاية المطاف، وجود ايران منخرطة في العالم الخارجي يجعلها قابلة للتأثير في هذا العالم بالاتجاه الصحيح أكثر من كونها منعزلة، تصرخ على بقية العالم من خلال مكبر للصوت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات