الوصول إلى بلدة كيدال المغبرة والمملة في صحراء شمال مالي أمر صعب وخطر، إذ لا توجد رحلات جوية تجارية، كما أن سرقة السيارات على الطرق أمر شائع. لكن المراسلة في إذاعة «راديو فرنسا» الدولية، غيزلان ديبون، ومهندس الصوت العامل معها كلود فرلون، تمكنا من الحصول على مقعد على متن طائرة تابعة للأمم المتحدة. وفي 2 نوفمبر، بعد الانتهاء من مقابلة الزعيم غير المتشدد للمجموعة الانفصالية للطوارق، تم اختطافهما من قبل أربعة رجال، واقتيدا بشاحنة صغيرة إلى الصحراء، وقتلا.
وتبنى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي مسؤوليته عن مقتلهما، معلناً أن قتلهما جاء انتقاماً من "الحملة الصليبية" الفرنسية، وأن هذا العمل تم دفاعاً عن "أزواد". وترجح بعض المصادر الأمنية أن الخاطفين قتلوهما ليتمكنوا من الفرار سريعاً، بعد أن تعطلت شاحنتهم على بعد 12 كيلومتراً من كيدال.
وعمليات القتل الشنيعة تلك مقلقة على مستويات عدة، فهي تظهر أن أياً من القوات المتمركزة في كيدال يمكنه أن يمنع أربعة رجال من خطف اثنين من الأجانب في وضح النهار. كما تشير إلى أن أي شيء يتعلق بفرنسا يمكن أن يستهدف. وكما قال مصدر في الحركة الوطنية لتحرير أزواد، "كيدال خارج نطاق السيطرة تماماً".
وفي فبراير الماضي، كانت ذروة الحملة العسكرية الفرنسية لصد التقدم الجنوبي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وحلفائه من جماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا. وعلى مدى عدة أسابيع، استعاد الجنود الفرنسيون والماليون السيطرة على المدن الرئيسية في الشمال: تمبكتو، وغاو وكيدال. والأهم من ذلك، تمكنوا من تطهير معقل المتمردين في منطقة ادرار دي ايفوغاس، حيث أمضى المتمردون العقد الماضي في بناء المعسكرات العسكرية.
الرضا عن النفس
والنجاح ولد الرضا عن النفس في باماكو وباريس. تلقى المتشددون ضربة قوية، وتم انتخاب رئيس جديد وتقديم مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية. وبدت مالي موحدة تقريباً، وبدت الأمور واعدة.
لكن عمليات القتل الأخيرة تظهر أن الوضع لا يزال غير مستقر في كيدال. يبدو أن المتطرفين قد رحلوا، وتولت الحركة الوطنية لتحرير أزواد العلمانية مسؤولية البلدة، إلا أن أعمال العنف المتفرقة تتواصل. وكانت هناك تفجيرات انتحارية بسيارات ملغومة وهجمات أخرى في الشتاء الماضي.
وتم حفر خندق حول البلدة. وتحاول القوة العسكرية المؤلفة من 400 فرنسي وعنصر تابع للأمم المتحدة، إلى جانب القوات المالية، الابتعاد عن الأضواء، وتجنب التورط في التنافس المحلي بين عشيرة ايفوغاس من الطوارق ومجموعات أخرى هناك.
ولعل هذا التنافس يتصل بمقتل الصحافيين. فقادة ايفوغاس كانوا متورطين في تحرير أربع رهائن فرنسية اختطفوا منذ ثلاث سنوات. وهؤلاء الرهائن تم تحريرهم تقريباً في اللحظة نفسها عندما حطت طائرة غيزلان وكلود في كيدال. ووفقاً لمصادر فرنسية ومحلية، فإن الصفقة مع الجبهة الوطنية لتحرير أزواد تضمنت فدية تصل إلى أكثر من 20 مليون يورو، ونصت على الإفراج عن العديد من متمردي أنصار الدين المسجونين في باماكو، لكن أولئك الثوار لم يتم إطلاق سراحهم.
ومن الممكن أن الجريمتين كانتا انتقاماً على ما يسمى خرق العقد، ومن الممكن أيضاً أن كمية هائلة من المال قد أقنعت مجموعات أخرى بتجربة حظها.
تحقيق الاستقرار
عاملان يضران بجهود تحقيق الاستقرار في مالي، هما: الصراع المحلي على السلطة وعزم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في مضايقة ليس فقط الجنود الفرنسيين، وإنما أي وجود أجنبي آخر. وكما يقول مصدر أمني فرنسي متورط في عملية تحرير رهائن في المنطقة: "سوف نشهد المزيد والمزيد من أكياس الجثث على الطريق".
