لا يرى الكثيرون في زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الأخيرة إلى الولايات المتحدة شيئاً يدعو للاحتفال. كان هناك الكثير من الخطب الجوفاء والكلام الفارغ والمخادع كالمعتاد. وقد أسيء استخدام كلمات مثل «الديمقراطية» و«الشراكة» مع الغياب المعتاد للقلق بشأنهما. لكن، في الحقيقة، تعد زيارة المالكي، مع ذلك، ممارسة في السياسة الواقعية حتى أكثر من الزيارات المعتادة من مسؤولي الشرق الأوسط.
وقد بحث المالكي في إمكانية الحصول على الأسلحة والمساعدات الأميركية للتعامل مع ما يصفه بالتهديدات المتطرفة المتنامية للسنة، والتي هي نتاج تحركاته القمعية وجهوده للسعي وراء السلطة، بقدر ما هي نتاج أي نوع من التهديد الإرهابي. ربما يكون قد سعى أيضاً إلى النهوض بقضيته، وقضية الشيعة، من خلال موازنة الأسلحة والتأثير الأميركي بعيداً عن عزلته عن جزء كبير من العالم العربي السني.
سعي مقابل
ومن جهتها، ربما تكون الولايات المتحدة قد سعت إلى استخدام الأسلحة والنفوذ الأميركي لمساعدة المالكي في تعديل معاملته للسنة باتجاه الاعتدال، وتقليص روابطه مع الميليشيات الشيعية والمتشددين، وتخفيف حدة التوتر بين حكومته والمنطقة الأمنية التابعة للأكراد.
ربما تكون واشنطن أيضاً قد حاولت خفض تأييده الضمني والنشط للدعم الشيعي للرئيس السوري بشار الأسد، ومنع أشكال القمع للسنة في غرب العراق التي تدفعهم أكثر نحو تنظيم القاعدة والحركات السنية المتطرفة. وربما تكون الولايات المتحدة قد سعت، عند مستوى ما، إلى الدفع نحو حكومة أكثر وطنية وانتخابات حقيقية، وكذلك إلى طمأنة حلفائها العرب.
وربما يكون هدف هذه الزيارة إحاطة كل المعنيين بما يجري: خطاب عام للمالكي لا طائل منه، وظهور لا معنى له للمالكي وأوباما أمام وسائل الإعلام، ومؤتمر صحافي لوزارة الخارجية الأميركية، حيث كل الأسئلة الجدية كان لا بد أن لا تحظى بإجابة شافية. والحقيقة هي أنه على الرغم من كل التضليل العام المتأصل، كانت الولايات المتحدة على ما يبدو بحاجة إلى بذل قصارى جهدها للاستفادة من هذه الزيارة.
والمسألة تتعلق بمستقبل تكون فيه كل درجة متزايدة من القوة والاستقلالية العراقية مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة. وموقف العراق بالغ الأهمية لأمن الخليج، ودوله العربية، وللنتائج في سوريا، ولتخفيف الصراع المتنامي بين السنة والشيعة، وبين السنة المعتدلين والسنة المتطرفين.
والعراق لم يصبح كسوريا بعد. إذا كان بالإمكان إقناع المالكي أو «التأثير فيه» للتحرك باتجاه حكومة سنية شيعية أكثر وطنية، وتخفيف أسلوبه في استخدام إرهاب الدولة والتطرف في التعامل مع المعارضة الشرعية والمعارضة المتطرفة السنية على حد سواء، فإن هذا من شأنه أن يؤثر في استقرار مجمل المنطقة وفي أمن حلفاء أميركا مثل تركيا وإسرائيل، ويخفف التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها، ومن المحتمل أن يوجد إطاراً للخليج لجهود أكثر واقعية في التأثير في المالكي.
ونحن لسنا بحاجة إلى سوريا أخرى، ونحن حقاً لسنا بحاجة إلى مزيج مقسم من البلدين (سوريا والعراق) مرتبط بالاعتماد على قوى إقليمية. نحن بحاجة فعلاً للنفط العراقي، كما إلى الوحدة العراقية والاستقرار والأمن اللازمين في سبيل زيادة صادرات العراق، للمساعدة على الحفاظ على الضغوط الأميركية في المنطقة.
معايير متعددة
ونحن ليست لدينا فقط معايير مزدوجة، بل أيضاً معايير متعددة في التعامل مع العراق وتقريباً مع كل دولة من دول المنطقة. نركز على الإرهاب والتطرف لدى الجهات المعادية من غير الدول، لكننا نختار في الوقت نفسه التهوين من إرهاب الدولة والتطرف أو تجاهلهما عند التعامل مع هذا التهديد، ناهيك عن الإخفاقات الهائلة في الحكم التي تعمل على توليد مثل تلك المعارضة. نعم، يوجد افتقار للأمانة متأصل في نهج الولايات المتحدة العام لمكافحة الإرهاب والتطرف في كل من العراق وجميع أنحاء المنطقة، لكن هناك حاجة للتعامل مع بدائل العالم الحقيقي، والتوصل إلى صفقة أفضل مع المالكي.
وأحد تعريفات الدبلوماسي هو أنه الشخص الذي يدفع له للكذب من أجل بلاده. والآن هو الوقت المناسب للكذب. ولا أحد يمكنه أن يتكهن بمستقبل التغيير والعنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن يمكن للمرء أن يتنبأ بأننا سنواجه سنوات من عمليات مماثلة من ممارسة السياسة الواقعية والحاجة إلى الكذب، أو على الأقل التعتيم لفترات طويلة استثنائية.
غياب التسلح
يعد حصول أميركا على صفقة مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أفضل صفقة في العالم الحقيقي متوافرة حالياً. وليس واضحاً أنه بإمكاننا الحصول على هذه الصفقة. فالمزيج من الخطابات الكاذبة من كلا الجانبين خلال زيارة المالكي لأميركا لا يفيد بإمكانية التوصل إلى صفقة جدية. وإنصافاً للمالكي، ليس في وسعه إعطاء الكثير إذا كان يريد البقاء، وإذا كان الشيعة العرب يريدون موازنة السنة والأكراد.
ولا يمكننا أن نقدم له ما يكفي، ونحن بحاجة إلى قبول حقيقة أن العراق يمكنه إثارة المشكلات لنا لسنوات مقبلة. ويتعين علينا توخي الحذر بوضع خطوط واضحة، وعدم تسليح المالكي ضد الكتلة المتسعة من المعارضة السنية الشرعية لصالح استبداده المتزايد، بدلاً من المزيج الأقل حجماً بكثير من المتطرفين الإسلاميين السنة العنيفين. لكننا بحاجة لمحاولة التوصل إلى صفقة معه.
