يكمن وراء النفوذ الغربي في الشرق الأوسط العديد من العوامل الدافعة: الاقتصادات القوية للدول الغربية، التجارة النشطة مع المنطقة والنفوذ الدبلوماسي على امتداد العالم. ويكمن وراء كل تلك العوامل، مع ذلك، الاستعداد الذي تبديه الدول الغربية للتوجه إلى الحرب من أجل الدفاع عن الأصدقاء والمصالح في الشرق الأوسط.

ومن نواحٍ عدة، فإن المثال النموذجي لهذا الالتزام تمثل في حرب الخليج عام 1991، عندما قام أكثر من اثني عشر جيشاً بقيادة الولايات المتحدة، برد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أعقابه بعد غزو الكويت.

لكن عندما سعى القادة الغربيون في أغسطس الماضي للذهاب إلى الحرب ضد الرئيس السوري بشار الأسد لمعاقبته بذريعة استخدام الأسلحة الكيماوية، فإن شعوب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا كانوا متشككين للغاية، ولجموا رغبة حكوماتهم في خوض حرب محدودة.

ويمكن إلقاء اللوم في ذلك على ضعف المهارات السياسية لتلك الحكومات، وعلى نقص الموارد الطبيعية المرغوب بها في سوريا، أو ببساطة على حالة الإعياء بعد عقد من الحروب في أفغانستان والعراق. لكن عند إمعان النظر في الأمر عن كثب، يبدو لنا أننا وصلنا إلى نقطة انعطاف هنا، وأن الالتزام العسكري الغربي تجاه المنطقة، وبالتالي العلاقات القائمة على هذا الالتزام، تتحول بطرق مهمة.

تحول مهم

وهناك، على الأقل، خمسة أسباب تدعم الفكرة القائلة إن موقفاً جديداً قابلاً للاستمرار هو الآن في طور النشوء.

أولاً، كانت نتائج التدخلات السابقة متباينة في أحسن الأحوال. فقد سعت الدول الغربية للدفع نحو تحقيق أهداف سياسية معلن عنها من خلال الوسائل العسكرية، وهذه الأهداف لم تتحقق كما كان متوقعاً.

وتعقيد السياسات المحلية والمخاطر العالية التي شعرت بوجودها الجهات الفاعلة المحلية، كل هذا كان يعني أن الأمر كان سيتطلب المزيد من الموارد لتشكيل السياسات عن بعد، بمقدار يزيد عما كانت الدول الغربية على استعداد لتكبده.

ثانياً، تجارة الطاقة آخذة في التغير. فنمو الإنتاج في أميركا الشمالية، وتراجع الطلب الأوروبي، وصعود آسيا، كل هذه الأمور تشير إلى مجموعة مختلفة من المصالح يقتضي الدفاع عنها. وبصورة أساسية، لم تزد الروابط التجارية المتزايدة للمستهلكين الآسيويين مع الشرق الأوسط التزام آسيا بأمن المنطقة، لمطابقة أو حتى تكملة الجهود التي تبذلها الدول الغربية. ويلاحظ الرأي العام الغربي ذلك.

ثالثاً، ستبقى ميزانيات الدفاع في الدول الغربية، على الأرجح، مقيدة لعدة عقود، في الوقت الذي ستعمل التحولات الديمغرافية واستحقاقات الرعاية على التهام أجزاء متزايدة باطراد من الميزانيات الوطنية. وفي هذه البيئة، سيرى الرأي العام في الالتزامات ما وراء البحار ترفاً.

رابعاً، التهديد المتصاعد لجهات فاعلة من غير الدول يعمل على تغيير المعادلة الأمنية، والجيوش الغربية الجرارة لا تردع تلك التهديدات، بل إنها تقدم تشجيعاً لها أحياناً.

مشاعر معاكسة

خامساً، لم يولد التدخل الغربي مشاعر دفء أو امتنان لدى معظم جماهير الشرق الأوسط، وفي بعض الحالات، أثار مشاعر معاكسة تماماً. وبينما لم يكن السعي وراء الشعبية هدفاً للجهود الغربية، إلا أن العداء المتواصل لها، يقلل من استعداد الرأي العام الغربي لمواصلة توظيف الجهود في المنطقة.

وما تقترحه تلك النقاط الخمس هو الوصول إلى جهد غربي يتسم بالمزيد من الثبات لوضع مسافة بين الغرب والشرق الأوسط. ومما لا شك فيه أن الحكومات الغربية لن تقطع العلاقات مع الشرق الأوسط، وسوف تستمر في بيع الأسلحة، وفي تدريب القوات ضد التهديدات الأمنية.

وعلى العموم، يشير التحول إلى استعداد أميركي للقبول بمزيد من التقلبات في الشرق الأوسط، على اعتقاد أن تلك التقلبات لن تضيف إلى مزيد من التقلبات الموجودة في الولايات المتحدة نفسها. ومن شأن هذا النهج أن يُمثّل تنصلاً من نهج إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش منذ الحادي عشر من سبتمبر، والذي جعل الشرق الأوسط نقطة ارتكاز لأمن الولايات المتحدة.

على مدى السنوات الأخيرة، لاحظت دول المنطقة إعادة توازن في سياسة إدارة أوباما وتوجهها نحو آسيا. بالنسبة إلى الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، تشير تلك التغيرات المذكورة إلى علاقتها بالشرق الأوسط نفسه أكثر من علاقتها بآسيا. فالمنطقة آخذة في التغير، وعلاقة الولايات المتحدة معها تتغير أيضاً.

التغيير المتوقع

 

ستركز علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة على مجموعة من التهديدات الأمنية الأضيق نطاقاً في المستقبل، على الأرجح، بالتركيز على التجارة عبر المجاري المائية المهمة، مع تقليص الاهتمام بالأوضاع التي تحدث داخل البلدان، وفيما بينها.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، سيجعل هذا الأمر عملها وتحركها على الصعيد العالمي أكثر صعوبة. ومن جهة أخرى، من المرجح أن يتطلب التحوط ضد عدم الاستقرار تخفيفاً للحضور العسكري الأميركي.

والأرجح أيضاً أن تهبط تجارة أميركا مع المنطقة مع تراجع العلاقات العسكرية. وقد يدفع تقليص الوجود الأميركي، جنباً إلى جنب مع أوضاع تفضي إلى تصالح في المنطقة، إلى تقارب محدود على امتداد الخليج.

 أما في إسرائيل، فإن التزاماً عسكرياً أميركياً أكثر غموضاً سيكون له، على الأرجح، تأثير معاكس، حيث سيقنع الإسرائيليين بأنهم في عزلة أكبر، فيتصرفون على نحو أكثر عدوانية تجاه جيرانهم في المنطقة.