أشار اللواء المتقاعد توفيق الطيراوي، الذي كان فيما مضى، رئيس جهاز المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بأصابع الاتهام إلى إسرائيل في اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وهناك الكثير من الأسباب التي تدعو للاعتقاد بمسؤولية إسرائيل، حيث إن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، جاهر معترفاً بمحاولته قتل عرفات.
لكن هناك الكثير من الاحتمالات الأخرى التي يفضل الطيراوي تجاهلها، فهو نفسه كان مع عرفات خلال الحصار، وكان مطلوباً من جانب إسرائيل، ويجري استبعاده من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كما كان متهماً بتدبير الهجمات الانتحارية ضد الإسرائيليين، وكان على مقربة من عرفات عندما أصيب بالمرض، ما يجعل منه في أحسن الأحوال شاهداً في القضية، بالتالي، فإن قيادته للتحقيق غير موفقة، مثل كل نهج السلطة الفلسطينية حتى الآن.
جهود غير موفقة
بالنسبة للعالم الخارجي، كانت قضية عرفات مجمدة إلى أن بثت قناة الجزيرة فيلماً وثائقياً تحت عنوان «ما الذي قتل عرفات؟». وفي يوليو 2012، شكلت السلطة الفلسطينية لجنة لدراسة الوفاة، في أعقاب حدوثها مباشرة، لكنها شهدت تغييرات عدة في القيادة، ولم تفعل أكثر من شجب إسرائيل، دون السعي إلى أي شيء عن طريق الطب الشرعي، والطبيب المسؤول عن مراجعة القضية داخل السلطة الفلسطينية عبد الله بشير، كتب رسالة واحدة إلى السلطات الفرنسية في عام 2009، طالباً المزيد من المعلومات، ذلك أن عرفات توفي في مستشفى عسكري فرنسي. وقال الفرنسيون إن كل ملفاتهم سلمت إلى أرملة الراحل سهى عرفات، وابن شقيقه ناصر القدوة.
وهذا كل ما في الأمر. لم يكترث أحد بطرح السؤال الجوهري على سهى عرفات: هل لديها أية مواد، يمكن أن تسفر عن أدلة للطب الشرعي؟ وهي أفادت حينما سئلت عن وجود كيس الصالة الرياضية الأخضر الذي احتفظت به كل تلك السنوات، وكان عرفات قد اصطحبه معه إلى فرنسا قبل وفاته، وكانت سهى متشككة بعثور السويسريين على شيء، لكن بمجرد الكشف عن البولونيوم، أصبحت لا تلين في مطالبتها بالذهاب حتى النهاية.
ولم يكن من المفترض استخراج جثة عرفات، فالسلطة الفلسطينية لم ترق لها حقيقة أن سهى سعت إلى السلطة القضائية الفرنسية، والسلطة فضلت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو خيار مثير للفضول، آخذاً في الاعتبار أن هذا المجلس لم يمرر قراراً لصالح الفلسطينيين في تاريخه. وكانت السلطة الفلسطينية قد رفضت الضغط نحو إجراء تشريح للجثة، الأمر الذي كان بإمكانه حل اللغز منذ سنوات على الأرجح. يقول ناصر القدوة: « كان هذا يعنى نهاية عملية السلام، كما كانت في ذاك الوقت، لأن الشعب الفلسطيني، كان سيشهد جريمة كبرى، جريمة قتل زعيمه».
سلاح سياسي
وبدلًا من ذلك، اختارت السلطة الفلسطينية استخدام القضية كسلاح سياسي في سعيها للمفاوضات مع إسرائيل. وهذا ساعدها أيضاً على تفادي السؤال المؤلم: هل كان أحد عناصرها متورطاً في الأمر؟ بالتأكيد كان الإسرائيليون يسيطرون على المنطقة المحيطة، لكن كما كان يؤذن للغذاء والماء والأدوية بالدخول، كذلك لكمية مجهرية من البولونيوم القاتل 210. فهل كان أحد مساعديه سلم الجرعة، بدعم فني من إسرائيل؟
وهذا هو السبب في أن فكرة إجراء أحد اقرب المقربين من عرفات تحقيقاته الخاصة، أمر غير مناسب.
التحقيق الجدي
المحققون المناسبون في قضية اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، هم السلطات الفرنسية، وثلاثة قضاة تحقيق، سيقومون الآن بمراجعة الأدلة، فإذا كانت السلطة الفلسطينية جدية بشأن التوصل إلى الحقيقة، فإنه يتعين عليها أن تتحمل نفاذ الفرنسيين غير المقيد، وإذا لم تكن كذلك، فسيبقى السؤال "من قتل عرفات" دون حل، وليس أكثر بكثير من مجرد أداة سياسية ملائمة.
