فيما لاتزال كل دولة من الدول المشاركة في الربيع العربي تقريبا تعاني وتشتعل غضبا منذ عام 2011، فإن تونس، وهي مهد تلك الانتفاضات، تفوقت على باقي هذه الدول، ولفترة طويلة، بوجود زعيم معتدل ودولة سلمية ومزدهرة نسبياً.

وقد أشاد خبراء الشرق الأوسط بتونس كمثال لجيرانها. وصدرت مقالة في مجلة "فورين أفيرز" أخيرا تحت عنوان: "دروس تونس لمنطقة الشرق الأوسط". ومقالة في مجلة أخرى اطلقت على تونس "الأمل الأخير: المكان الوحيد حيث الربيع العربي لم يذهب إلى الجحيم".

لكن تبدو تونس اليوم ماضية على الطريق على غرار كل دولة عربية تصدت لدكتاتورها في السنوات القليلة الماضية، وهذه وصمة عار يندى لها الجبين. وما يسمى الحكومة المؤقتة التي تم إنشاؤها بعد الانتفاضة التي بدأت في أواخر 2010 رفضت التخلي عن السلطة، بعد مرور سنتين ونصف السنة، على الرغم من أن تفويضها كان بهدف كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات في غضون عام، وهي لم تقم بأي من هذين الأمرين، والتونسيون يشعرون بالغضب.

تفجيرات انتحارية

والآن، فإن التفجيرات الانتحارية، التي كانت مشهدا نادرا من قبل، أصبحت شائعة. ويبدو أن الدولة قد انقسمت إلى ثلاث دوائر انتخابية متنافسة: الحكومة الإسلامية المعتدلة وبعض حلفائها، والسكان العلمانيون بمعظمهم تحت قيادة نقابة عمالية قوية وهائلة، إلى جانب طائفة إسلامية متشددة أصغر حجماً لكنها نشطة، وتوجه ضرباتها بقوة.

وأخيرا، فجر انتحاري نفسه على الشاطئ في منتجع سياحي شهير في سوسة. وكان هذا الهجوم الإرهابي الأول في البلاد الذي يشن ضد منطقة سياحية منذ أكثر من عقد من الزمن، لكن لم يسفر الهجوم عن قتلى باستثناء الانتحاري نفسه. وبعد ذلك بوقت قصير، أحبطت الشرطة هجوما انتحاريا آخر في مدينة مونستير القريبة. وفي الأشهر الماضية، قتل الإسلاميون اثنين من السياسيين العلمانيين يتمتعان بشعبية. وتلك الاغتيالات أطلقت أعمال عنف مناهضة للحكومة، فضلا عن تظاهرات غاضبة حاشدة تشمل ألوف الناس في شوارع تونس.

وقد وافق رئيس الوزراء المؤقت لتونس على الاستقالة في أواخر أكتوبر الماضي تحت الضغط الشعبي، لكنه ما لبث أن تراجع في اللحظة الأخيرة، مما أشعل المزيد من التظاهرات الهائلة في الشوارع. وقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في سبيل اختيار رئيس جديد للحكومة الانتقالية كوسيلة للخروج من المأزق المتعاظم للدولة. لكن الاجتماع انتهى إلى طريق مسدود. وتبدو تونس الآن في طريقها للانضمام إلى إخواتها في الربيع العربي.

صراعات مشتعلة

وفي مصر، يبدو أن نزاعا لا نهاية له قد قضى عمليا على صناعة السياحة. والانتفاضة في سوريا تحولت إلى حرب أهلية أكثر عنفا وفتكا من أي صراع آخر على الكرة الأرضية حاليا. وفي ليبيا، التي تعد من دول الربيع العربي، فإن معظم أراضي البلاد خارج العاصمة طرابلس تعد موطنا لمختلف الميليشيات الإسلامية التي قتلت العام الماضي السفير الأميركي، وتمكنت من خطف رئيس الوزراء علي زيدان أخيرا، قبل أن يفرج عنه المتشددون بعد ذلك بوقت قصير. وتسيطر هذه الميليشيات الإسلامية أيضا على معظم سجون الدولة، وذكرت الأمم المتحدة أن 27 معتقلا لدى تلك الميليشيات على الأقل تعرضوا للتعذيب حتى الموت أخيرا.

وبالطبع، العراق ليس دولة من دول الربيع العربي بالضبط، على الرغم من أن الصراع الطائفي الذي بدأ وتطور من احتجاجات الربيع العربي في سوريا، يعتقد انه ساعد في اطلاق العنف السني الشيعي المتفشي في هناك. والآن العنف محتدم إلى حد أن كبير القادة العسكريين الأميركيين في الشرق الأوسط، الجنرال لويد أوستن، حذر أخيرا من العنف قائلا: إنه "إذا ترك دون كبح جماحه، يمكن أن نجد أنفسنا في صراع طائفي إقليمي قد يستمر لعقد من الزمن".

وبالمقارنة مع كل هذا، فقد بدت تونس جزيرة من الهدوء. وحتى الاضطرابات الأخيرة لم تصل إلى المستوى الذي تشهده الدول الأخرى. ومع ذلك، فقد وجد استطلاع للرأي صدر أخيرا عن معهد "زغبي" أن 28% من التونسيين فقط يعقدون الآمال على الحكومة الحالية. ومع وجود حكومة على هذه الدرجة من العناد والافتقار للفاعلية والشعبية، تبدو المشكلات متجهة نحو مزيد من التفاقم.

طريق مسدود

تختلف تونس عن غيرها من دول الربيع العربي من نواح عدة. فقد كانت مستعمرة فرنسية لأكثر من 50 عاما، وحافظت على الكثير من سمات الثقافة الأوروبية، ويعزى هذا جزئياً إلى أن اقتصادها كان يعتمد على السياح الأوروبيين، . لكن الآن، مع الاضطرابات السياسية وأعمال العنف المفاجئة، فإن السياحة قد تراجعت ، كما تراجع اقتصاد البلاد. وخفضت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» تصنيف تونس إلى «بي بي»، فيما وصف مؤشر المخاطر «دي أند بي» الاقتصاد التونسي بالـ»متدهور» و»عالي المخاطر».

وقد اشتعل مزيد من الاحتجاجات الهائلة في الشوارع، بعد تراجع رئيس الوزراء المؤقت لتونس عن الاستقالة في اللحظة الأخيرة، على الرغم من الضغط الشعبي الكبير. وتبدو تونس الآن في طريقها إلى اللحاق بركب شقيقاتها في الربيع العربي.