من المثير للأسى أن يلقى ما لا يقل عن 115 ألف سوري مصرعهم منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا، لكن تقارير منظمة الصحة العالمية تتحدث عن إصابة 575 ألفاً آخرين بجروح، وهذا العدد من المتوقع بحسب المنظمة أن يرتفع بنسبة 30% في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
وماذا يحدث للمصابين بطلقات نارية وغيرها من الإصابات الخطيرة؟ هنا تكمن المأساة الحقيقية، ذلك أن ثلثي المستشفيات في البلاد تقريبا قد أصيبت بأضرار بالغة أو دمرت، كما أن 92% من سيارات الإسعاف في المناطق المتضررة أصبحت خارج الخدمة، في الوقت الذي فرت الغالبية العظمى من الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الصحي، أو قتلوا.
ومرافق الرعاية الصحية القليلة المتبقية لا يتوفر فيها الوقود أو الكهرباء أو المياه عموما. وتقول منظمة الصحة العالمية إنه: "حتى عندما يتمكن المحتاجون من الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، فإنه يجري تقويض تلك النتائج الإيجابية بعوامل الإجهاد النفسي، والقيود على النظافة، والتغذية ما دون المستوى الأمثل، والأهم بعوامل النقص في الأدوية والإمدادات والمعدات".
الأمراض المعدية
ومع وجود القليل من الرعاية الصحية، فان الأمراض المعدية تعمل على تدمير البلاد، بما في ذلك اندلاع موجة جديدة من شلل الأطفال ،الذي لم ير له أثر في سوريا منذ أواخر التسعينات من القرن الماضي. في الواقع، قبل أن تقوم وزارة الصحة في سوريا بتأكيد وجود مجموعة من حالات شلل الأطفال "نشطة" في منتصف أكتوبر الماضي، كانت هناك ثلاث دول أخرى في العالم فقط لا زال مرض شلل الأطفال يحصد الضحايا فيها، وهي باكستان وأفغانستان ونيجيريا.
وجنبا إلى جنب مع شلل الأطفال، فان أمراضاً أخرى قاتلة بدأت تشق طريقها بين السكان، بما في ذلك التيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي وداء الليشمانيات، الذي تسببه البكتيريا "ملتهمة اللحم البشري". وعندما ذكرت منظمة الصحة العالمية "عوامل الإجهاد النفسي"، فإنها كانت تشير إلى أرجحية أن يكون عدد كبير من السوريين يعانون من الاكتئاب السريري و /أو اضطراب الإجهاد فيما بعد الصدمة. ومن المؤكد أن لديهم إمكانية ضئيلة، إن وجدت، للوصول إلى الرعاية النفسية.
وفيما تنهش كل تلك المشكلات وغيرها الشعب السوري، كان الرئيس السوري بشار الأسد مبتهجا ،في مقابلة على التلفزيون السوري أواخر أكتوبر الماضي، حيث قال: "شخصيا، أنا لا أرى أي عقبات أمام ترشحي لشغل المنصب مجددا في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2014 ".
ولا أستطيع أن افكر إلا في عقبة واحدة، وهي أن يتم جر الأسد للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية وان يحاكم بتهم الإبادة الجماعية. ففي النهاية، يمنع نظامه عمال الإغاثة من الوصول إلى المناطق المتضررة المنحازة للثوار.
خيبة الأمل
في أوائل أكتوبر الماضي، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ما أسماه "بيان رئاسي" يحض "الحكومة السورية على السماح فورا بوصول المساعدات عبر الحدود". ثم قبل بضعة أيام، أبلغ الوكيل العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري أموس المجلس: "أشعر بخيبة أمل شديدة لأننا لم نكن قادرين على إحراز المزيد من التقدم على أرض الواقع". وكما عبر وزير الخارجية الاميركي جون كيري عن ذلك في مجلة "فورين أفيرز": "العالم لا يستطيع البقاء دون حراك فيما يشاهد الأبرياء يموتون". وهذا يصح بصورة خاصة الآن مع تأكيد تفشي مرض شلل الأطفال. وكل هذا يمثل كارثة إنسانية بالنسبة لسوريا، ويحتمل أن يكون كذلك بالنسبة للمنطقة والعالم. والأمم المتحدة على حق في قولها إنه يتعين على الأسد قطعا أن يسمح لعمال الإغاثة والصحة بالوصول إلى المناطق المتضررة من بلاده بحرية وحماية. وإذا استمر في رفض ذلك، فقد حان الوقت لتنحيته من السلطة وجره إلى لاهاي.
تفشي الأمراض
ذكرت منظمة الصحة العالمية أن ما بين 50 إلى 70 شخصا مجبرون على تقاسم مرحاض واحد في بعض المناطق في سوريا، الأمر الذي أدى إلى نشوء "ظروف صحية سيئة تعرض الأفراد بشكل متزايد إلى خطر انتشار الأمراض المعدية". وكان كل من لبنان والأردن والعراق والأراضي المحتلة بدأ في حملات تطعيم شاملة ضد شلل الأطفال. وتقول الأمم المتحدة إن :"تركيا وسعت نطاق المراقبة لحالات مشتبه بها ،وتجري حملات تطعيم للمواطنين السوريين تحت حمايتها المؤقتة". وحتى مصر، التي تبعد مئات الأميال، أعلنت أخيرا عن حملة تطعيم ضد شلل الأطفال. وفي هذه الأثناء، تقوم بلغاريا، الجارة الشمالية الغربية لتركيا، ببناء جدار حدودي ضخم لإبقاء اللاجئين السوريين خارج أراضيها.
مع وجود عدد قليل من اللقاحات المعطاة للأطفال السوريين في السنتين الماضيتين، ذكرت مجموعة فرنسية تعنى بالصحة أنه ما يصل إلى 7 آلاف طفل أصيب بالحصبة، وان المرض انتقل إلى أطفال في لبنان.
